للإجابة عن التساؤل حول تأثير سلوك السوق في الشهر الفضيل، لا بد أولًا من فهم طبيعة حركة السوق حاليًّا في البحرين. فأغلب الصفقات تتركز في القطاع السكني بدافع التملك بغرض السكن، وليس بدافع الاستثمار سواء في القطاع السكني أو التجاري أو الصناعي. هذا الواقع يجعل تحليل أثر العوامل الموسمية مختلفًا، لأن قرار الشراء في السكن يتميز بالتريث في اتخاذ القرار والتحري في البحث، ويرتبط بحاجات معيشية أساسية بحسب الإمكانيات والقدرات، أكثر من ارتباطه بصفقات المضاربات أو تقلبات السوق السريعة.
العقار بطبيعته أصل مرتفع القيمة، وقد يمثل صفقة مفصلية واحدة فقط في دورة حياة الشخص، لذلك لا يُتخذ قرار الشراء أو البيع بصورة اندفاعية. بل على العكس تمر العملية عادةً بمراحل طويلة من البحث والمقارنة والاستشارة، وقد تمتد لأشهر قبل الوصول إلى قرار نهائي. هذه الطبيعة التراكمية تجعل الصفقة العقارية أقل تأثراً بالعوامل الزمنية العابرة، إذ يكون معظم المشترين قد حسموا قناعاتهم قبل مرحلة الإتمام الفعلي.
من خلال متابعتي لحركة السوق، ألاحظ هدوءًا نسبيًّا في بداية رمضان يتمثل في تراجع طفيف في نشاط البيع والتأجير، وهي ظاهرة لا تقتصر على العقار بل تمتد إلى تداول الأسهم والأنشطة التجارية عموماً، حيث تتغير الأولويات وتنخفض شهية المخاطرة مؤقتًا. ويسهم في ذلك تقليص ساعات الدوام الرسمية وتباطؤ وتيرة الإنجاز، إضافة إلى تأثر الإنتاجية النهارية نتيجة تغير نمط الحياة خلال الشهر، إذ تتحول الليالي إلى مساحة للنشاط الاجتماعي في المجالس وانشغال البعض في العبادة، ما ينعكس على إيقاع العمل اليومي.
ومع ذلك، فإن هذا الهدوء لا يعكس ضعفًا في أساسيات السوق، بل يمثل مرحلة موسمية عابرة غالبًا ما يعقبها نشاط ملحوظ بعد العيد. بل إن رمضان يشكل في الوقت ذاته فرصة مهمة لإعادة بناء وتعزيز العلاقات المهنية، حيث تلعب الغبقات والمجالس واللقاءات في المساجد دورًا في إعادة ربط العلاقات المنقطعة وفتح قنوات تواصل. ومن واقع التجربة، كثير من الفرص تبدأ في أجواء اجتماعية هادئة خلال هذا الشهر، لتتحول لاحقًا إلى صفقات وشراكات ناجحة. وكل عام وانتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
* خبير عقاري