+A
A-

الدراما الرمضانية… ستة عقود على المائدة العربية

في مطلع الستينيات، ومع البث التلفزيوني المصري الذي لم يكن قد تجاوز عامه الثاني، عُرض مسلسل "هارب من الأيام" في شهر رمضان عام 1962، ليصبح أحد أوائل الأعمال الدرامية التي ارتبطت بالشهر الكريم، إن لم يكن الشرارة الأوضح لما عُرف لاحقًا بـ "الموسم الرمضاني". المسلسل، الذي شارك في بطولته نجوم كبار مثل زوزو نبيل ومحمود المليجي، جاء في زمن لم تكن فيه صناعة الدراما قد تبلورت بعد كموسم تنافسي. لم يكن الهدف سباق نسب مشاهدة، ولا تصدّر الترند، بل تقديم حكاية اجتماعية تُشاهدها العائلة مجتمعة بعد الإفطار. لم يكن صُنّاع العمل يدركون أنهم لا يصنعون مجرد مسلسل، بل يؤسسون تقليدًا ثقافيًا سيستمر لأكثر من ستة عقود.

من طقس عائلي… إلى موسم يخلّد في الذاكرة

في سنواته الأولى، لم يكن رمضان موسمًا مزدحمًا. كانت الأعمال محدودة، والإنتاج محسوبًا، وارتبط الشهر بالفوازير والبرامج الدينية والاجتماعية بقدر ارتباطه بالدراما. لكن مع انتشار التلفزيون عربيًا في السبعينيات والثمانينيات، ثم ازدهاره في التسعينيات، بدأت الدراما الرمضانية تتحول إلى موسم مستقل، تتجهز له القنوات والمنتجون مسبقًا. في التسعينيات، رسّخت أعمال مثل "المال والبنون" فكرة العمل العائلي الممتد الذي يشغل الشارع. وفي مطلع الألفية، قدّم "حديث الصباح والمساء" نموذجًا دراميًا مأخوذًا عن عمل أدبي لنجيب محفوظ، مؤكدًا أن الموسم الرمضاني يمكن أن يكون مساحة للدراما الفكرية العميقة. ثم جاء منتصف الألفينات مع النجاح العربي الكاسح لمسلسل "باب الحارة" الذي كسر فكرة أن السباق مصري خالص، وأثبت أن الدراما الرمضانية أصبحت ساحة عربية مفتوحة.

الدراما السعودية… من البدايات إلى الأيقونة

في السعودية.. كانت الخطوات الأولى تتشكل بهدوء. من أوائل الأعمال السعودية التي عُرضت في رمضان مسلسل "مشقاص للخدمات العامة"، دراما كوميدية بمواضيع اجتماعية في الثمانينيات عبر التلفزيون السعودي، بطولة الفنان القدير حسن دردير، وهو من أوائل الفنانين الذين اختصوا منذ مرحلة مبكرة بتقديم “فوازير رمضان” وإثراء الإذاعة والتلفزيون بأعمال فنية رمضانية هادفة وبناءة للصغار والكبار، والذي كان أولها “فوازير رمضان السمسمية”، ليعكس البيئة المحلية والروح الاجتماعية في مرحلة مبكرة من تطور الصناعة. وبعدها جاء التحول الأبرز في مطلع التسعينيات مع انطلاق "طاش ما طاش" الذي استمر لما يقارب 18 موسمًا، ليصبح أحد أطول وأهم الأعمال الرمضانية في الخليج، بطولة ناصر القصبي وعبدالله السدحان. لم يكن العمل مجرد كوميديا، بل مساحة نقد اجتماعي جريء تناول التطرف، البيروقراطية، التحولات الاجتماعية وقضايا الفساد، وكان دليلًا واضحًا على أن الدراما الرمضانية قادرة على ممارسة دورها كأداة إصلاح ناعمة، لا مجرد مساحة للترفيه.

معيار الثلاثين حلقة… بين سرد الحكاية ومتطلبات السوق

لسنوات طويلة.. بدت الثلاثون حلقة وكأنها قانون غير مكتوب للدراما الرمضانية. لم يكن أحد يتساءل لماذا ثلاثون؟ ولماذا يجب أن يمتد العمل طوال الشهر كاملًا؟ كان الأمر يبدو طبيعيًا، منسجمًا مع عدد أيام رمضان، وكأن الحكاية خُلقت لتُروى على إيقاعه اليومي. لكن مع مرور الوقت.. بدأ يتضح أن هذه القاعدة لم تكن فنية خالصة بقدر ما كانت نتاج معادلة موسمية متكاملة. فثلاثون حلقة تعني ثلاثين مساحة إعلانية، وثلاثين ليلة من الحضور المتواصل على الشاشة، وثلاثين فرصة لترسيخ اسم النجم والعمل في الوعي الجماهيري. وهنا تداخل الفن مع الاقتصاد، دون أن يكون الفصل بينهما سهلاً. كثير من الأعمال احتاجت فعلاً هذا الامتداد لتمنح شخصياتها الوقت الكافي للنمو والتعقيد. لكن في المقابل، هناك أعمال أُرهقت بسبب ضرورة استكمال الثلاثين حلقة، فتمددت خطوطها الدرامية أكثر مما ينبغي. وهنا يظهر السؤال الذي لم يُطرح طويلًا.. هل كانت الثلاثون حلقة تخدم الحكاية؟ أم أن الحكاية كانت تُطوَّع لتخدم الثلاثين؟ ومع تغيّر عادات المشاهدة، وتسارع إيقاع الجمهور، وظهور المنصات الرقمية.. بدأ هذا المعيار التاريخي يهتز للمرة الأولى منذ عقود. لم يعد السؤال كم يومًا في رمضان، بل كم حلقة تحتاجها الحكاية فعلاً. ومن هنا تحديدًا بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل؛ مرحلة لم تعد فيها الثلاثون حلقة أمرًا بديهيًا كما كانت.

ظاهرة الـ 15 حلقة… اختزال للإبداع.. أم تحسين للإيقاع؟

في السنوات الأخيرة.. ومع صعود المنصات الرقمية وتغيّر عادات المشاهدة، برزت بقوة ظاهرة مسلسلات الـ 15 حلقة داخل الموسم الرمضاني، بعد أن ظل معيار الثلاثين حلقة هو القاعدة شبه الثابتة لعقود. ظهور هذا الشكل لم يأتِ من فراغ؛ فهناك من يرى أن التكثيف الدرامي يمنح الحكاية تركيزًا أكبر، ويمنع المطّ والإطالة التي قد تفرضها الضرورة الإنتاجية. في المقابل.. يرى آخرون أن المسألة مرتبطة بالاقتصاد الإنتاجي وتقليل التكلفة وتقسيم المخاطرة على أكثر من عمل قصير بدلًا من عمل واحد طويل. كما أن طبيعة المشاهد تغيّرت؛ لم يعد ينتظر حلقة يومية بالضرورة، بل أصبح معتادًا على مشاهدة موسم كامل خلال أيام قليلة عبر المنصات. وهنا يبرز سؤال مهم.. هل أصبحت مدة العمل تُحدد بناءً على إيقاع الجمهور الجديد؟ أم بناءً على معادلات السوق والإعلانات؟ أم أن الأمر مجرد مرحلة انتقالية تعيد تعريف شكل الموسم الرمضاني؟ لا أحد يملك إجابة قاطعة حتى الآن. فبعض الأعمال القصيرة أثبتت نجاحًا، وأخرى لم تستفد من قصرها. وبعض الأعمال الطويلة ما زالت قادرة على الحفاظ على جمهورها حتى الحلقة الأخيرة. السؤال الأهم ليس: 15 أم 30؟ بل.. هل تخدم المدة الحكاية فعلاً؟ وهل سيستمر هذا الشكل لسنوات قادمة ليصبح هو القاعدة الجديدة؟ أم سيظل مجرد موجة مرتبطة بمرحلة التحول الرقمي؟

رأيي كممثلة… سباق أعيشه.. ولا أستطيع أن أتجاهله

 كممثلة، لا أستطيع أن أنكر أن الموسم الرمضاني يخلق حالة خاصة جدًا من التوتر الجميل… والصراع أيضًا. الفنان يشعر دائمًا أن اسمه يجب أن يكون حاضرًا في سباق رمضان؛ ليس فقط لأن نسب المشاهدة أعلى، بل لأن الناس تكون مجتمعة أكثر، مبرمجة أكثر، والدراما تكون جزءًا من الحديث اليومي بين العائلات. رمضان يمنح العمل مساحة انتشار لا تُقارن بأي موسم آخر. الشارع يتابع، الصحافة تكتب، المنصات تناقش، والناس تعيش حالة درامية مكثفة. لكن في الوقت نفسه.. كثرة الأعمال قد تظلم بعض المشاريع. قد يُعرض عمل جيد جدًا وسط زحام كبير، فلا يحصل على حقه الكامل من التركيز. قد يكون الأداء صادقًا، لكن المقارنة اليومية تُرهقه. ومع ذلك… أعترف أنني لست خارج هذه المعادلة؛ أنا أيضًا أحب أن أكون موجودة في السباق الرمضاني. أحب أن يكون اسمي على التترات في هذا الشهر تحديدًا. ربما لأن الطاقة مختلفة، وربما لأن الجمهور أكثر انشغالًا بأجواء الشهر، فلا يقف طويلًا عند كل هفوة صغيرة؛ فالإيقاع سريع، والجرعة الدرامية عالية، والوقت يمضي بسرعة. فالفنان يشعر أن غيابه في هذا الشهر يشبه الغياب عن مشهد مهم في حياته المهنية. لكن يبقى السؤال الذي أطرحه على نفسي دائمًا.. هل أختار رمضان لأن العمل يستحق هذا الموسم؟ أم لأن الموسم هو الذي يمنح العمل وهجه؟ الصراع حقيقي، والتوازن صعب. لكن ربما هذا هو سر بقاء الدراما الرمضانية حيّة، لأنها ليست مجرد صناعة، بل حالة شعورية يعيشها الفنان كما يعيشها الجمهور.