العدد 6319
الأحد 01 فبراير 2026
ترامب يستبدل صقرا بصقر!
الأحد 01 فبراير 2026

هبطت الخميس الماضي أسعار الذهب والفضة هبوطا رأسيا بعد تصاعد مذهل على مدى استمر لأكثر من عام، ولعل السبب الرئيس للتراجع الكبير بأسعار “النقدين” هو إعلان الرئيس ترامب نيته ترشيح كيفن وارش رئيسا لمجلس الاحتياطي الفدرالي، خلفا لجيروم باول الذي تنتهي ولايته في مايو 2026. وطوال الوقت خمن المستثمرون أن الرئيس ترامب سيختار بديلا من باول يستجيب لمطالبات الرئيس خفض سعر الفائدة سريعا؛ إذ استمر يضغط على باول مطالبا إياه خفض سعر الفائدة، وتجاوز أحيانا بنعته بنعوت قاسية مقللا من كفايته لشغل منصبه. وهكذا رسخ وسط هذا الضغط المتواصل من ترامب أن سعر الفائدة إلى انخفاض؛ ما أدى إلى تراجع سعر الدولار وإلى مغادرة الدولار إلى الملاذ التقليدي الذهب، كما أن الفضة أصحبت أكثر لمعانا فتخاطفها المستثمرون لتحقق ارتفاعات تاريخية (270 % خلال عام). لكن ترامب يبقى صاحب المفاجآت فيخرج من أكمامه في كل مرة سحرا جديدا!
أما المستثمرون، فقد أخذوا الهجوم الشرس للرئيس على جيروم باول ومطالبته إياه بخفض سعر الفائدة سريعا، بأن ترامب سيجلب مرشحا متحمسا لخفض سعر الفائدة بوتيرة سريعة، وأن التواؤم بين الرئيس و “الاحتياطي الفدرالي” سيعيد للدولار شيئا من قوته التي فقدها على مدى عام نتيجة للضبابية. 
لكن الضبابية لم تكن فقط هي العامل الوحيد، فقد اتخذ “الاحتياطي الفدرالي” بقيادة جيوم باول يوم الأربعاء قرارا بتثبيت سعر الفائدة لا خفضه، وهذا بالتأكيد عزز موقف الدولار، واكتمل المشهد بأن أعلن الرئيس ترامب مرشحه كيفن وارش وهو صقر آخر، ليس متحمسا لخفض سعر الفائدة “عمال على بطال”، بل سيقرر ومعه مجلس الاحتياطي ما تمليه بيانات أداء الاقتصاد واستقرار الأسعار ووضع سوق العمل، وسيهتم أكثر من باول بالصورة الأوسع لتفادي، على حد قوله، “mission creep” (انزلاق المهمة عن أهدافها) وليس برغبات ترامب! وهكذا يكون ترامب قد استبدل صقرا بصقر، ولا أقول إنهما متماثلان لكنهما متشابهان في أن لهما توجها مستقلا. وهكذا، كأن ترامب يقول إنه حريص على استقلال “الاحتياطي الفدرالي” لكنه يريد استبدال جيروم باول بشخص أكثر تمكنا و “ذكاء”، إذ لا ننسى أن ترامب نعت جيروم باول بالغباء، ما يعني، من وجهة نظر المستثمرين، زوال دافع اللجوء إلى ملاذات مثل الذهب والفضة ولو إلى حين، على الرغم من أن آفاق الاقتصاد العالمي ما زالت ملبدة بالغيوم؛ ما يعني، ولو إلى حين، انخفاض سعرهما.
وبالنظر إلى كيفن وارش فهو يمتلك خبرة سابقا كعضو في “الاحتياطي الفدرالي”، وله مواقف صلبه فيما يخص التضخم، وآراؤه معتبرة مهنيا؛ فقد لا تتوافق نظرته الموضوعية طويلة المدى بحكم طبيعة سياسات استقرار الأسعار مع نظرة ترامب القصيرة المدى، الداعية لخفض سعر الفائدة لخفض تكلفة رأس المال من أجل جلب المستثمرين في البنية الإنتاجية من مصانع ومرافق ومراكز بيانات، بما يساعد في خفض الواردات وزيادة الصادرات وخلق المزيد من الوظائف. 

وهكذا، وأخذا في الاعتبار حماسة الرئيس ترامب الشديدة لخفض سعر الفائدة، فلعل أول “اشتباك” بين الرجلين، فيما لو ثبت الكونجرس ترشيح وارش، قد يكون في حكم الحتمي، لكن توقيته يعتمد على نتائج أداء الاقتصاد الأمريكي وعلى معدل التضخم ونتائج متانة سوق العمل في الربعين الأول والثاني من هذا العام 2026، وقد تبدأ المناكفات مبكرا في منتصف شهر يونيو مع انعقاد أول اجتماع تحت رئاسة وارش للجنة السوق المفتوحة، في حال أبقى “الاحتياطي الفدرالي” على سعر الفائدة دون تخفيض أو أن التخفيض كان متواضعا. ولعل من المناسب الاستدراك بالقول إن جل التوقعات تفيد بأن “الاحتياطي الفدرالي” سيخفض سعر الفائدة مرتين هذا العام أولاهما في يونيو 2026، وهكذا فإنه في حال تحقق التوقع فلن يكون ناتجا بالضرورة عن “محاباة” بل عن معطيات السوق.
إذن، التحدي يكمن في أن يتحلى المرشح الجديد بالقوة والجَلَد للحفاظ على استقلالية قرارات “الاحتياطي الفدرالي”، ويبدو أن هذه النقطة تحديدا هي ما سيكون محل نقاش مستفيض في الكونغرس؛ كون المرشح محاميا مؤهلا أكاديميا ومهنيا ويمتلك الخبرة، وتاريخه يشير إلى أنه “صقر” لن يتدثر بجلباب ترامب؛ فقابلية المرشح وارش لمعدل تضخم مرتفع فوق 2 % محدودة استدلالا بفترة عمله السابقة تحت بيرنانكي إبان أزمة الرهونات العقارية بالعام 2008، ويبدو أن استقرار الأسعار في الولايات المتحدة هو الفيصل في كيف سيكون الوئام بين الرجلين.
الخلاصة هي في نقطتين: الأولى، أن ثمة هوة تبلورت سريعا تُباعد بين ما توقعه المستثمرون طوال أشهر منذ إعلان ترامب موجبات تغيير رئيس “الاحتياطي الفدرالي”، وما فاجأهم به ترامب بالأمس باستبداله للرجل باول دون أن يستبدل توجهاته الجوهرية، وتحديدا معدل التضخم وسعر الفائدة! والثانية، أن اختيار ترامب للمرشح وارش لا يعني حصانته من التوبيخ؛ فترامب نفسه هو من اختار في فترته الأولى باول رئيسا لـ “الاحتياطي الفدرالي”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .