اجتماع أوبك+ الذي عقد يوم 4 يناير 2026، أي بعد يوم من إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس مادورو، كان اجتماعا افتراضيا سريعا شاركت فيه ثماني دول رئيسة هي لسعودية، روسيا، العراق، الإمارات، الكويت، كازاخستان، الجزائر، وعُمان، أكدت فيه الدول الثماني التزامها بقرار تعليق أي زيادات في الإنتاج خلال الربع الأول من 2026؛ بسبب انخفاض الطلب المتوقع في الشتاء بالنصف الشمالي من الكرة الأرضية حفاظا على استقرار السوق، والالتزام بعقد اجتماعات شهرية لمراجعة أوضاع السوق والامتثال، والاجتماع القادم سيعقد في بداية فبراير 2026.
جاء الاجتماع، المجدول مسبقا، في سياق انخفاض أسعار النفط بشكل كبير خلال 2025 (أكثر من 18 %) بسبب مخاوف من فائض في العرض العالمي، على رغم التوترات الجيوسياسية المستمرة، ولم بعلق الاجتماع الفني على الأوضاع العاصفة التي استجدت في فنزويلا، فقد كان قصيرا (حوالي 10 دقائق) وركز فقط على تأكيد السياسة الحالية للإنتاج.
ومع ذلك، فالوضع في فنزويلا مازال ضبابيا حالكا، وما يزال مبكرا تقييم تأثير الأحداث الدراماتيكية على الإمدادات بما في ذلك اقتلاع الرئيس مادورو، فضلا عن أن إنتاج فنزويلا حاليا منخفض جدا (نحو 1 % فقط من الإنتاج العالمي) والسوق العالمية مشبعة بالفعل، بما يعني أن إنتاج تلك الدولة الغنية بالاحتياطيات والفقيرة في الإنتاج لن يؤثر عمليا على المعروض في السوق سواء هبط او ارتفع، لكن يبدو أن الاهتمام الأوضح هو أميركي بالضرورة، ولذا فقد دعا الرئيس الأميركي على عجل لعقد اجتماع في البيت الأبيض لكبار شركات النفط الأميركية للتباحث في رؤية الرئيس اتجاه نفط فنزويلا. وبالفعل عقد الاجتماع يوم الجمعة 10 يناير في البيت الأبيض برئاسة الرئيس ترامب وبحضور شركات النفط الأميركية الرئيسة وتحديدا مع الثلاث العاملة (شيفرون) أو التي كانت عاملة قبل التأميم (إكسون موبيل و كونيكو فيلبس) في فنزويلا، وكذلك بحضور شركات خدمات النفط.
فما أجندة الاجتماع؟
وفق ما نقلته الوكالات، كان على الأجندة أربع نقاط:
1. حث شركات النفط على تخصيص استثمارات بمليارات الدولارات لإصلاح وتحديث البنية التحتية النفطية المتهالكة.
2. التعرف على الدعم المحتمل من الحكومة الأميركية، مثل سداد تكاليف الشركات (من الخزانة أو تقاسم الإيرادات من مبيعات النفط).
3. التعويض عن الأصول التي سبق أن أممتها حكومة مادورو، والضمانات الأمنية لعمليات الشركات الأميركية فيما إذا دخلت.
4. تخفيف المخاطر: الاستقرار السياسي، والأطر القانونية، وسلامة الموظفين، وضمانات الاستثمار، والجدوى الاقتصادية.
فكيف كان اجتماع الأمس في البيت الأبيض بين الرئيس ترامب وشركات النفط الكبرى؟ تفاوتت مواقف الشركات أما الرئيس ترامب فقد كان مصرا على تحقيق النقطة الأولى قائلا للحضور: “من لا يرغب في الدخول، ليخبرني بذلك، فلدي 25 شخصا غير موجودين هنا اليوم مستعدين لأخذ مكانكم”. وللدلالة على تباين مواقف الشركات الكبيرة، فأشد المتحمسين كانت شركة شيفرون، التي أعلنت أنها قادرة على زيادة إنتاجها بنسبة 50 % خلال 18 إلى 24 شهرا عبر توسيع عملياتها الحالية، التي تضخ نحو 240 ألف برميل يوميا، وأكد الرئيس التنفيذي لشركة شل، إن لدى الشركة “فرصا استثمارية بمليارات الدولارات” رهنا بموافقة الولايات المتحدة على تخفيف العقوبات المفروضة عليها. وأضاف: “نحن على أتم الاستعداد”. وعلى النقيض من موقفيهما، قال رئيس شركة اكسون موبيل إن قطاع النفط الفنزويلي بوضعه الحالي “غير قابل للاستثمار فيه”، وقد أسهب رئيس الشركة في تعداد الأسباب، وذكر أن استثمارات الشركة أممت مرتين منذ الأربعينات.
يبدو أن شفرون، بطبيعة وجودها على الأرض، هي الأكثر حماسا لتوسيع أعمالها والاستفادة من الفرصة السانحة لها لزيادة إنتاجها بتعزيز حضورها وضخ مزيد من الاستثمارات. وهي تخاطر لا شك، لكنها قد تكون الرابح الأكبر مما يحدث في قطاع النفط الفنزويلي بعد استيلاء أميركا على نفط فنزويلا. من منظوري، فقد كان الاجتماع أقرب ما يكون إلى تَحَلّق “السِباع” لاقتسام غنيمة، ولا ننسى أن الرئيس الأميركي يسميها الصفقة العظيمة (The Great Deal).
وعند التمعن فيما قاله الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، يتأكد أنه كان هناك شد وجذب وتصارع وتقارع للسيطرة على نفط فنزويلا، يمكن تلخيصه في أن فنزويلا بدأت مبكرا بخطوات سيادية تمثلت في قانون الهيدروكربونات للعام 1943 الذي وضع أسس الرقابة الوطنية وزيادة حصة الدولة من العوائد، تلى ذلك تأميم قطاع الغاز الطبيعي في العام 1971 كأول خطوة تأميم مباشر. ووصلت هذه العملية إلى ذروتها في العام 1975 بصدور قانون التأميم الشامل الذي دخل حيز التنفيذ مطلع العام 1976، بان نقلت أصول الشركات الأجنبية إلى شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، ومع وصول الرئيس هوغو تشافيز إلى السلطة، دخلت فنزويلا مرحلة «السيادة النفطية» التي عززت السيطرة الكاملة للدولة على القطاع وأعادت هيكلة المشروعات المشتركة وتوجيه العوائد نحو البرامج الاجتماعية. وفي عهد الرئيس نيكولاس مادورو، استمر هذا النهج التأميمي من خلال تشديد قبضة الدولة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية ورفض الخصخصة، مع السعي في الوقت نفسه إلى إدارة تداعيات الأزمة الاقتصادية والعقوبات الدولية عبر ترتيبات محدودة مع شركاء أجانب دون التخلي عن المبدأ الأساسي المتمثل في ملكية الدولة للموارد النفطية، ثم انتهى الأمر كما شهد العالم وسمع. وهكذا، فإن ما نراه هو أقرب ما يكون إلى أخذٍ بالثأر مضاعفا وعكس قيد من “الفنزولة” إلى “أمركة” قطاع النفط الفنزويلي، ويطلب الرئيس ترامب من شركات النفط ضخ 100 مليار دولار لتحقيق ذلك.