تُعدّ المكتبات إحدى أهم ركائز الوعي الإنساني وذاكرة المجتمعات، فهي لم تعد مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل مؤسسات ثقافية حية تحفظ التاريخ، وتدعم البحث العلمي، وتسهم في صناعة المستقبل. ومع ذلك، ما تزال بعض المكتبات في عالمنا العربي تعاني الإهمال وسوء التقدير، في مفارقة تتناقض مع ما يشهده العالم من تحول نوعي في دور المكتبات بوصفها مراكز ثقافية وسياحية واقتصادية.
أتذكّر عندما كنت طالبًا في كلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود، حيث كنت كلما دخلت مكتبة الكلية لإعداد البحوث، أشعر بإعجاب خاص بدور أمين المكتبة الذي رأيت فيه حارسًا للمعرفة ومنظمًا للفكر، يؤدي رسالة تتجاوز حدود الوظيفة. وبعد تخرّجي عام 1983، وجدت نفسي أعيش هذه التجربة عمليًا عندما التحقت بالأمانة العامة لاتحاد غرف مجلس التعاون الخليجي في الدمام بوظيفة أمين مكتبة.
هناك، بدأت العمل من الصفر، وأسست مكتبة متخصصة نمت تدريجيًا على مدى 19 عامًا، حتى أصبحت تضم نحو 8500 عنوان، وأكثر من 300 دورية، ونحو 350 تقريرًا سنويًا للشركات المساهمة في دول مجلس التعاون الخليجي. وعند استقالتي، تركت ورائي مكتبة متكاملة وإرثًا مهنيًا أفخر به، حيث كانت تخدم الباحثين وصنّاع القرار على حد سواء.
غير أن هذه التجربة المهنية اصطدمت لاحقًا بواقع مختلف. ففي عام 2002، وأثناء عملي في غرفة تجارة وصناعة البحرين، كانت المكتبة قائمة وتضم عددًا من المراجع المهمة، إلا أنه مع الانتقال إلى المبنى الجديد عام 2009، حُفظت محتوياتها في المخازن ولم تُفعّل بالشكل المأمول.
وعندما كُلّفت لاحقًا بإعداد توثيق لتاريخ الغرفة، فوجئت بعدم وجود الكتب، إذ تبيّن أن محتويات المكتبة أُرسلت إلى شركة لإعادة تدوير الورق بقرار غير مدروس. والمشهد ذاته تكرر في الدمام، عندما جرى التخلّص من محتويات مكتبة كاملة بالطريقة نفسها.
وتعكس مثل هذه الممارسات فجوة واضحة بين امتلاك المعرفة وتقدير قيمتها، حيث يتحول الكتاب من وعاء للفكر إلى عبءٍ يُتخلَّص منه، في غياب الوعي بدوره بوصفه ذاكرة للمؤسسات والشعوب، لا مجرد أوراق قابلة للإهمال أو الإتلاف.
وفي المقابل، تُظهر التجارب العالمية والعربية الرائدة كيف يمكن للمكتبات أن تتحول إلى وجهات للسياحة الثقافية، مثل مكتبة الكونغرس والمكتبة البريطانية ومكتبة نيويورك العامة، إلى جانب مكتبات عربية بارزة مثل مكتبة الإسكندرية، ومكتبة قطر الوطنية، ومكتبة محمد بن راشد، ومكتبة الملك فهد، والتي تجاوزت دور التخزين إلى بناء المجتمع وتفعيل التحول الرقمي.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور منصور سرحان، مدير المكتبة الوطنية “إن جلالة الملك المعظّم حفظه الله حقق حلمًا راود النخب المثقفة وشرائح المجتمع المختلفة منذ وقت طويل، بتجسيد مكتبة عصرية متطورة تواكب ما شهدته البحرين في عهده الإصلاحي من تقدم وازدهار في مختلف الميادين، مؤكدًا أن المملكة باتت اليوم من الدول المتقدمة في التنمية البشرية والإنتاج الفكري عربيًا وعالميًا، إلى جانب تطورها في مسارات العلم والثقافة، والمجالين الاقتصادي والاجتماعي”. غير أن ترسيخ هذا الإنجاز واستدامته يتطلبان عناية متواصلة بالمحتوى الثقافي وآليات حفظه وإتاحته للأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق، وعند مراجعة قسم المطبوعات في مركز عيسى الثقافي، تبرز تحديات تستدعي الوقوف عندها، خصوصا فيما يتعلق بالصحف القديمة مثل الأضواء وأخبار الخليج، وغيرها، والتي تُعد إرثًا وطنيًا بالغ القيمة، لكنها تعاني بعض التلف وسوء الاستخدام، إلى جانب تناقص أعداد المجلدات، في ظل غياب خطط واضحة للرقمنة والحفظ طويل الأمد.
إن رقمنة هذا الإرث لم تعد خيارًا، بل ضرورة ثقافية ووطنية تفرضها مسؤولية الحفاظ على الذاكرة الجماعية. فالمكتبات اليوم قادرة على أن تكون منصات للسياحة الثقافية، ومحركات للاقتصاد الإبداعي، وفضاءات لبناء الوعي المجتمعي. ومن لا يصون ذاكرته اليوم، سيجد صعوبة في سرد تاريخه غدًا.
مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين