شهدت البحرين في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه (1869 - 1932م) مرحلة دقيقة من تاريخها الاقتصادي، خصوصًا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (من 28 يوليو 1914 إلى 11 نوفمبر 1918)، التي ألقت بظلالها الثقيلة على حركة التجارة وأسواق الغذاء ومواسم اللؤلؤ. وبرغم قسوة الظروف العالمية، برزت حكمة الحاكم وقدرته على ضبط إيقاع السوق وحماية المجتمع من جشع بعض التجار والمفسدين، محافظًا على قدر من الاستقرار في زمن الاضطراب.
كانت البحرين آنذاك مركزًا تجاريًا مهمًا في الخليج، يعتمد على الاستيراد وإعادة التصدير، إضافة إلى اقتصاد اللؤلؤ. ومع بداية الحرب وارتفاع الأسعار وشح المواد الغذائية، لم يقف الشيخ عيسى الكبير موقف المتفرج، بل بادر إلى التدخل المباشر لحماية الأهالي، وخاصة الفئات الضعيفة. فعمل على منع تصدير بعض المواد الغذائية، ودعا إلى عقد مجالس خاصة ضمت كبار التجار لوضع تسعيرة عادلة للمواد الأساسية.
وقد شارك في هذه الجهود عدد من أبرز تجار البحرين المعروفين بحضورهم الاقتصادي والاجتماعي، ومنهم يوسف بن أحمد كانو الذي لعب دورًا محوريًا في توثيق الأسعار والتواصل مع السلطات، إضافة إلى تجار آخرين من العرب وغيرهم، الذين قبل كثير منهم بتنظيم السوق إدراكًا لخطورة المرحلة. وفي المقابل، واجهت هذه السياسات تحفظ بعض التجار الأجانب، ما يعكس تباين المصالح في زمن الأزمة.
أظهر الشيخ عيسى الكبير حزمًا واضحًا في تطبيق القوانين، فلم يتردد في فرض الغرامات على أصحاب الدكاكين الذين خالفوا الأسعار المحددة أو احتكروا السلع. كما أصدر إعلانات صريحة توعد فيها كل من يعبث بأقوات الناس أو يروج الفساد بـ “النكال الشديد”، وهو تعبير يعكس جدية الدولة في حماية الأمن الغذائي والاجتماعي.
ولم يقتصر دور الحاكم على ضبط الأسعار، بل امتد إلى حفظ الأمن ومكافحة السرقات والتجاوزات، خاصة تلك التي ارتكبها بعض الوافدين الذين استغلوا الظروف الصعبة. وقد تعاون الشيخ عيسى الكبير مع القضاء، ممثلًا في القاضي الشيخ قاسم بن مهزع، لضمان سرعة الفصل في القضايا وتحقيق العدالة، مما عزز ثقة المجتمع بالحكم.
ورغم التحديات، استمرت الحركة التجارية بفضل تماسك المجتمع ودور التجار الوطنيين، ومنهم شخصيات لاحقة في تلك المرحلة مثل مقبل الذكير وسليمان الحمد البسام، الذين برزوا في النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وقد أسهم هذا التوازن بين الحزم والاحتواء في تجنيب البحرين فوضى اقتصادية كانت محتملة.
إن تجربة البحرين في عهد الشيخ عيسى الكبير تقدم نموذجًا مبكرًا لدور الدولة في تنظيم السوق، وتبرز حاكمًا جمع بين الحكمة والصرامة، فاستحق التقدير بوصفه حاميًا لمصالح الناس وحارسًا للعدالة الاقتصادية في واحدة من أصعب مراحل تاريخ البحرين الحديث.
* مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين