العدد 6285
الإثنين 29 ديسمبر 2025
من مجلس تجار 1910 إلى اقتصاد 2025.. 115 عاما من بناء الدور المؤسسي للتجارة في البحرين
الإثنين 29 ديسمبر 2025

قبل مئة وخمس عشرة سنة، وتحديدًا بين 26 و28 ديسمبر 1910، شهدت المنامة واحدًا من أهم الاجتماعات الاقتصادية في تاريخ البحرين الحديث: اجتماع كبار التجار في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، الذي وضع الأسس الأولى لتمثيل القطاع التجاري، وأرّخ لبداية المرحلة المؤسسية التي ستُتوّج لاحقًا بتأسيس غرفة تجارة وصناعة البحرين.
كان ذلك الاجتماع انعكاسًا مباشرًا للبنية الاقتصادية السائدة آنذاك، حين قامت معيشة أهل البحرين على ثلاثة أنشطة رئيسة: صيد اللؤلؤ، والزراعة، والتجارة. فقد ظلّ الغوص على اللؤلؤ لقرون طويلة العمود الفقري للاقتصاد وعصب الحياة الاجتماعية، غير أنّ الدخل الأكبر الذي اعتمدت عليه البحرين لم يكن بيع اللؤلؤ ذاته، بل الضرائب الجمركية على البضائع المستوردة التي يجلبها التجار بثمن اللؤلؤ المُصدّر إلى الهند والأسواق الخارجية، وهو ما شكّل المورد المالي الأهم للحكومة قبل اكتشاف النفط.
ولأن اللؤلؤ البحريني تميز تاريخيًّا بجودته الفائقة وندرته وارتفاع قيمته في الأسواق العالمية، فقد كان مقصد كبار صناع المجوهرات في العالم. وما بين العامين 1911 و1912، كان جاك كارتييه يتنقل بين البحرين ومغاصات اللؤلؤ بحثًا عن أثمن وأجود أنواعه، ليستخدمه في صناعة القطع الفاخرة التي حملت توقيع دار كارتييه لاحقًا، وهو مشهد يعكس المكانة العالمية التي احتلها لؤلؤ البحرين في ذلك الزمن.
إلى جانب ذلك، كانت الزراعة – وعلى رأسها زراعة النخيل – تشكل النشاط الاقتصادي الثاني، فيما كانت التجارة تنمو باطّراد مطلع القرن العشرين بفضل ازدهار فرضة المنامة وتوسع حركة السفن الشراعية ثم البخارية.
في هذا السياق برز رجال التجارة الذين أحاطوا بالشيخ عيسى الكبير، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: يوسف أحمد كانو، خليل إبراهيم المؤيد، عبدالرحمن محمد الزياني، يوسف عبدالرحمن فخرو، عبدالرحمن الوزان، أحمد علي يتيم، عبدالعزيز وعبدالله القصيبي، شاهين بن صقر الجلاهمة، عبدالله حسن الدوسري، علي منصور بن رجب، محمد فاروق البستكي، مقبل عبدالرحمن الذكير ولقبه “فخر التجار”، مصطفى عبداللطيف، محمد علي زينل، عيسى أحمد سيادي،  وغيرهم، ممن أدّوا دورًا محوريًّا في ربط البحرين بالأسواق الإقليمية والدولية.
وفي العام 1912 أمر الشيخ عيسى الكبير ببناء مرفأ (فرضة) في شمال المنامة يمتد إلى وسط البحر لتسهيل عملية شحن وتفريغ البضائع، ولم يقتصر دور التجار على إدارة الحركة الاقتصادية وتنظيم السوق، بل امتد ليشمل المساهمة في تطوير البنية التحتية للبلاد؛ إذ ساهم بعضهم في العام 1917م في توسيع “فرضة” المنامة، في خطوة تعكس إدراكهم المبكر لأهمية تهيئة المرافق التجارية وتحسين بيئة العمل البحري في تلك الفترة.
ونظرًا لتزايد الاهتمام ببناء مؤسسات الدولة؛ فقد شهد في نفس العام 1917 تأسيس المكتب الجمركي.
ولم تقف مبادرات هؤلاء التجار عند حدود تنظيم السوق أو مواجهة التحديات اليومية، بل امتدت إلى صياغة مطالب إصلاحية واضحة؛ ففي 8 أغسطس 1918 قدّم تجار البحرين عريضة تاريخية إلى الشيخ عيسى الكبير، يطالبون فيها بتأسيس بنك في البحرين لضمان الحركة التجارية وحفظ الأموال وتنظيم الاعتمادات. وقد لبّى الشيخ طلبهم، فتم افتتاح فرع البنك الشرقي، ليصبح أول بنك عامل في الخليج، وهو ما أحدث تحوّلًا مهمًا في بنية الاقتصاد التجاري وساهم في إرساء بيئة مالية أكثر أمانًا واستقرارًا.
وفي يوليو 1919 تم تأسيس بلدية المنامة، وهي أول بلدية على مستوى منطقة الخليج العربي.
ولم تتوقف الإصلاحات الإدارية في عهد الشيخ عيسى الكبير؛ ففي 26 يناير 1920 تم تأسيس المجلس العرفي كمجلس مؤقت للنظر في القضايا التجارية وتمثيل مصالح التجار وفض المخالفات، وكان هذا المجلس خطوة تالية لمجلس التجار 1910، خاصة أن أعضاء المجلس العرفي يمثلون تجار البحرين. 
اليوم، وبعد مرور 115 عامًا على اجتماع ديسمبر 1910، يتضح أن ذلك اللقاء لم يكن مجرد تشاور عابر، بل كان بداية مسار مؤسسي نما وتطور مع الزمن ليصبح أحد أعمدة الدولة الحديثة في البحرين؛ فقد مهّد لاجتماعات لاحقة، ومطالب تنظيمية، ومبادرات تجارية، وصولًا إلى تأسيس غرفة التجارة التي بقيت طوال عقود صوت القطاع الخاص وشريكًا أصيلًا في بناء الاقتصاد الوطني.
إن الروح التي انطلقت من ذلك المجلس قبل قرن ونيف – روح التشاور، وتمثيل المصالح، وبناء المؤسسات – ما تزال اليوم حجر الأساس في نهضة البحرين الاقتصادية، وتذكّرنا بأن ازدهار هذه البلاد كان دائمًا ثمرة شراكة صادقة بين الدولة والتجار والمجتمع.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية