هل باتت استقلالية الفيدرالي الأميركي مهددة؟
منذ تأسيسه عام 1913 بموجب قانون الكونغرس، أصبح الاحتياطي الفيدرالي (Fed) حجر الزاوية في السياسة النقدية الأميركية، وأضيف إليه مهام تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار بداية من عام 1977، مع التمتع بالاستقلالية الكاملة.
تعني الاستقلالية أن الفيدرالي يحدد أسعار الفائدة دون تدخل مباشر من البيت الأبيض أو الكونغرس، حتى لو أثارت قراراته غضب الساسة. صحيح أن الكونغرس يستطيع تعديل القانون، لكن أي محاولة لتغيير تفويض الفيدرالي لم تحرز تقدماً يذكر، لأن معظم المشرعين يدركون أن تدخل السياسيين في تحديد الفائدة سيؤدي غالباً إلى ارتفاع التضخم.
لكن، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أثار المخاوف مجدداً حول مدى استقلالية البنك المركزي الأميركي، بعدما أعلن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول يوم الأحد عن تلقيه استدعاء من وزارة العدل قد يؤدي إلى توجيه تهم، منتقداً الخطوة باعتبارها جزءاً من حملة ضغط يشنها الرئيس دونالد ترامب على المؤسسة المالية.
وقال باول مساء الأحد في تصريح مصور من مقر المؤسسة إن "التهديد بتوجيه تهم جنائية هو نتيجة قيام الاحتياطي الفيدرالي بتحديد معدلات الفائدة بناء على أفضل تقييم لديه لما سيخدم الناس، بدلا من اتباع تفضيلات الرئيس".
وأضاف باول أن الاستدعاء الذي تم تسليمه الجمعة قد يؤدي إلى توجيه تهم جنائية تتعلق بشهادته في يونيو حول تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي، معتبرا أن ذلك مجرد "ذريعة"، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية.
تهديدات ترامب ليست وليدة اللحظة، إذ طالب في أكثر من مناسبة رئيس الفيدرالي الأميركي بضرورة تسريع وتيرة خفض الفائدة، والتي يراها ترامب فرصة لخفض مدفوعات الفوائد على الديون الأميركية، بالإضافة إلى وسيلة لخفض سعر الدولار كأصل ما يمنح السلع الأميركية ميزة نسبية للتصدير ضمن مبادرة ترامب لإعادة التصنيع إلى الداخل الأميركي.
ما أهمية الاستقلالية؟
خلال خطاب في عام 2010، قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، بن برنانكي: "قد يواجه صانعو السياسات في البنك المركزي، الخاضعون لتأثير سياسي قصير الأجل، ضغوطاً لتحفيز الاقتصاد بشكل مفرط لتحقيق مكاسب في الإنتاج والتوظيف على المدى القصير تتجاوز الإمكانات الكامنة للاقتصاد. قد تحظى هذه المكاسب بشعبية في البداية، وبالتالي تكون مفيدة في الحملات الانتخابية، لكنها غير مستدامة وسرعان ما تتلاشى، تاركةً وراءها ضغوطاً تضخمية تفاقم آفاق الاقتصاد على المدى الطويل. وهكذا، يمكن للتدخل السياسي في السياسة النقدية أن يولّد دورات ازدهار وكساد غير مرغوب فيها، تفضي في نهاية المطاف إلى اقتصاد أقل استقراراً وتضخم أعلى".
لا يزال يخطط الفيدرالي الأميركي لخفض التضخم إلى معدل يبلغ 2% على الرغم من أن التضخم بات عنيداً في الخفض مؤخراً، إلا أن الفيدرالي يحاول النزول بالفائدة بطريقة هادئة لتجنب العودة من جديد لرفع أسعار الفائدة حال أفلت التضخم من محاولات السيطرة.
ولكن رد فعل الأسواق على الإجراءات الأخيرة بشأن رئيس الفيدرالي، رفع الرهانات على الملاذات الآمنة وفئات الأصول المقابلة للدولار الأميركي، حيث واصلت المعادن النفيسة تحقيق مستويات قياسية جديدة خلال تعاملات اليوم، كما ارتفعت معظم العملات سواء الرئيسية أو عملات الأسواق الناشئة مقابل الدولار.
هل يستطيع الرئيس إقالة أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي؟
يؤثر الرئيس الأميركي في سياسة الفيدرالي أساساً عبر تعيين أعضاء مجلسه بموافقة مجلس الشيوخ. مدة رئاسة جيروم باول تنتهي في مايو 2026، لكنه قد يبقى عضواً حتى 2028، كما حدث مع مارينر إكليس في الأربعينيات.
وفيما يسمح القانون للرئيس بإقالة الأعضاء فقط "لسبب وجيه"، مثل الإهمال أو سوء السلوك، وليس لاختلافات سياسية. المحكمة العليا أكدت هذا المبدأ في قضية تاريخية عام 1935. لذلك، عندما حاول ترامب إقالة ليزا كوك بدعوى "احتيال عقاري"، رفضت المحاكم ذلك، محذرة من أن أي تدخل سياسي سيقوض ثقة الأسواق في استقلالية الفيدرالي.
حتى الآن، لم ينجح أي رئيس في تجاوز هذه القيود، والمحكمة العليا وصفت الفيدرالي بأنه "مؤسسة فريدة ذات خلفية تاريخية خاصة"، ما يعزز التوقعات بأن استقلاليته ستظل محمية.
ماذا عن رؤساء البنوك الفيدرالية الإقليمية؟
لكل بنك من البنوك الـ12 التابعة للفيدرالي مجلس إدارة خاص يعيّن الرئيس، بموافقة مجلس الاحتياطي في واشنطن. هؤلاء الرؤساء يشاركون في لجنة السوق المفتوحة التي تحدد أسعار الفائدة، لكنهم لا يخضعون لتعيين رئاسي مباشر، وهو ما أيدته المحاكم في الثمانينيات.
وبحسب صحيفة "فاينانشال تايمز"، تجري المواجهة الأخيرة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي في ظل ظروف صعبة أصلاً بالنسبة لسندات الحكومة طويلة الأجل على مستوى العالم. وقد بلغ الفارق بين عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً وعوائدها لأجل عامين 1.4 نقطة مئوية الأسبوع الماضي، وهو أكبر فارق في 4 سنوات، وقد تفاقم هذا الفارق بسبب المخاوف العالمية بشأن الاقتراض الحكومي.
قال عضو لجنة الاستثمار في شركة إدارة الأصول "كارمينياك" كيفن ثوزيت إن توقعات التضخم قد "ترتفع تدريجياً مع تزايد احتمالية تعيين شخص من أنصار ترامب على رأس الاحتياطي الفيدرالي".
إثبات الاستقلالية
وعلى عكس المتوقع، يعتقد بعض المحللين أن التحقيق الحالي يقلل من احتمالية خفض أسعار الفائدة على المدى القريب، لأن باول وبقية أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية سيحرصون على إظهار أن البيانات هي التي توجه قراراتهم، وليس التهديدات القانونية.
وقال بول دونوفان، من شركة "يو بي إس": "قد تساهم هذه الخطوة أيضاً في تعزيز استقلالية الاحتياطي الفيدرالي". قد يشير تحدّي باول إلى تردده في الاستقالة من منصبه كمحافظ في مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا العام. وتشير الدلائل إلى احتمال تأجيل مجلس الشيوخ المصادقة على ترشيح رئيس جديد للمجلس. وقد تصبح المخاوف بشأن ردود فعل السوق وتصورات استقلالية المؤسسة (في أعقاب الطعون القانونية) من الاعتبارات المتشددة في تحديد أسعار الفائدة.
وقال فرانشيسكو بيسول من بنك "آي إن جي": "الأسواق ليست مستعدة بعد لتسعير فقدان استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، سواءً كان ذلك انطلاقاً من الاعتقاد بأن باول سيظل ثابتاً على آرائه السياسية (كما تعهد بذلك)، أو أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لن تتأثر بشكل كبير، أو أن مذكرات الاستدعاء الصادرة عن وزارة العدل لن تؤدي على الأرجح إلى توجيه اتهامات".
