يعد الدكتور محمد جابر الأنصاري رائد الحركة الفكرية والثقافية في مملكة البحرين بلا منازع، وأحد كبار رواد الفكر والسياسة في الوطن العربي. فقد غطت مقالاته وتحليلاته، ورؤاه الفكرية، مساحات واسعة من صحافة الوطن العربي من خليجه إلى محيطه. وجاء تكريمه من قبل صاحب الجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، بإعادة تسمية كلية البحرين للمعلمين إلى (كلية محمد جابر الأنصاري للمعلمين) ليبين بجلاء الجهود الكبيرة التي قام بها الدكتور الأنصاري في مجال دوره الكبير كمدرس وأستاذ عبر سنوات طويلة.
بدأ دراسته الأولى في الكتاتيب (أماكن تحفيظ القرآن) وحفظه على يد المطوع. وقد ساعد هذا الاقتراب المبكر من حفظ القرآن على إجادة اللغة العربية، وانعكس ذلك على دراسته النظامية فيما بعد.
بعد حفظه القرآن التحق بالدراسة النظامية بمدرسة الهداية الخليفية، ومن ثم مدرسة المنامة الثانوية وحصل في العام 1958م على بعثة حكومة البحرين للدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت. وأمضى في بيروت زهاء اثنتي عشرة سنة من حياته نال خلالها البكالريوس والماجستير والدكتوراه.
واستكمالًا لدراسته الأكاديمية، فقد حضر دورات أكاديمية في جامعة كمبردج في بريطانيا، وجامعة سربون في فرنسا. وبلغ درجة الأستاذية في التدريس الجامعي العالي، مضيفًا إلى سجله العلمي والدراسي المزيد من الخبرات ما جعله أحد العقول الفكرية العربية التي ساهمت بجدارة في التخطيط والإعداد لتأسيس معهد العالم العربي في باريس.
بدأت حياته العملية بالتدريس بمدرسة المنامة الثانوية في العام 1964م، وهي المدرسة التي تخرج منها أثناء دراسته الثانوية في البحرين. وعندما تأسس المعهد العالي للمعلمين في العام 1966م عين به أستاذا للغة العربية والأدب العربي.
عمل بدولة قطر في الفترة من العام 1975م وحتى بداية العام 1980م. وكان له دوره الثقافي الفاعل من خلال كتابته في (مجلة الدوحة)، وحصل على عرض للتدريس بجامعة قطر، إلا أنه شد الرحال إلى باريس وأخذ يكتب في صحيفتي (الصياد) و (الأنوار).
شغل نفسه أثناء إقامته في باريس بالأعمال الثقافية والأدبية والفكرية، فأقام علاقات مع المثقفين العرب والأجانب المعروفين. كما تم اختياره أثناء وجوده في باريس في الفترة 1980م وحتى عام 1983م ضمن اللجنة التي أنيط بها وضع استراتيجية الثقافة العربية برئاسة المثقف الكويتي الكبير عبدالعزيز حسين.
عاد الدكتور محمد جابر الأنصاري إلى وطنه البحرين في عام 1983م بعد رحلة طويلة هي في الواقع رحلة فكر ودراسة وتأمل، كان لها دورها الفاعل في تنمية تطلعاته الثقافية والفكرية. وباشر عمله في جامعة الخليج العربي اعتبارا من أبريل عام 1984م، وعين في سبتمبر من العام 1988م نائب لعميد كلية التربية، وأصبح في العام 1994م عميدًا لكلية الدرسات العليا بالجامعة.
صدر في السابع من نوفمبر العام 1989م عن صاحب الجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة حين كان وليا للعهد أمر إداري يقضي بتكليف الدكتور محمد جابر الأنصاري القيام بمهام المستشار الثقافي والعلمي بديوان ولي العهد، وأصبح فيما بعد مستشار جلالة الملك للشؤون الثقافية والعلمية.
تبنى الدكتور محمد جابر الأنصاري مشروعا فكريا وثقافيا بالغ الأهمية، يتمثل في دراسة البنيتين الذهنية والمجتمعية للواقع العربي، وهو المشروع الذي نال اهتمام النخب المثقفة في العالم العربي، وأخذ يبرز على صدر صفحات الصحف الكثير من المقالات والدراسات التي تناولت فكره بالدراسة والبحث والتحليل، كما أقيمت المنتديات والملتقيات لدراسة مشروعه الفكري من مختلف جوانبه. فقد شغل فكره ورؤاه المفكرين العرب باعتباره أحد أبرز رواد الفكر العربي في التاريخ المعاصر.
اختار الدكتور محمد جابر الأنصاري منطقة الفكر فأخذ يطل منها، وهي ساحة معرفية مشتركة تقع على خطوط التماس مع الدين والفلسفة والسياسة والأدب، وعالج من خلالها واحدة من أدق وأعقد إشكاليات العصر وأكثرها مدعاة للجدل والحوار، ألا وهي التوفيقية. كما لامس الخطوط الحمراء في بحثه عن أسباب التأزم السياسي عند العرب، وهي حالة مزمنة أخذت من وقته الكثير، إلا أنه استطاع البحث عن جذورها، وهي جذور حساسة تلافاها العديد من المفكرين العرب لأنها تلامس المحظور وتكشف المستور.
وحري بالذكر أن عدد مؤلفات الدكتور الأنصاري التي تم طبعها ونشرها بلغ زهاء عشرين مؤلفا، غطت خمسة حقول معرفية هي الأدب، والسياسة، والفكر، والسوسولوجية السياسية، والثقافة، داعمًا بمؤلفاته مشروعه الثقافي والفكري الذي أخذ في الانتشار بين رجال الفكر والثقافة في الوطن العربي.
* باحث ومؤرخ بحريني