النجاح ليس مجرد وصول إلى هدف، كما يظن البعض، بل هو رحلة مليئة بالتحديات، تتطلب صبرا، عزيمة، وأخلاقا رفيعة، فالناجح لا يكتفي بتحقيق إنجازات شخصية، بل يصبح مرآة تكشف حقيقة الآخرين، وهذا ما يجعل وجوده مزعجًا للبعض. فحين يسطع نجم شخص بجهده ونزاهته، يفضح من اعتادوا على الطرق السهلة، والمكاسب المجانية، والتملق لتحقيق مصالحهم. هنا تبدأ الكراهية، لا لأن الناجح أخطأ، بل لأنه يذكّرهم بما لم ينجزوه، وبما كان يمكنهم تحقيقه لو بذلوا الجهد نفسه. يقول الفيلسوف الألماني أرتور شوبنهاور: “الحسد هو اعتراف ضمني بالتفوق”.. هذه الحقيقة تفسر جانبًا كبيرًا من الظاهرة؛ فالشخص الناجح يسلط الضوء على تقصير الآخرين، ويعري الفاشلين، والكسولين، والمتخاذلين، والمتملقين، بعمله الدؤوب وأخلاقه الرفيعة. والخطر الأكبر الذي يراه هؤلاء في الناجح أنه يقدم نموذجًا شريفًا ونزيهًا، في مجتمع اعتاد بعض أفراده على جني المكاسب بالمجان أو بأقل جهد ممكن.
النجاح أيضًا يهدد مصالح غير المستحقين؛ فهناك من بنى مكانته على العلاقات لا على الكفاءة، وعلى المجاملات لا على الإنجاز. حين يظهر شخص ناجح بجهده، يصبح وجوده خطرًا على هذه المنظومة الهشة، لأنه يثبت أن الطريق الحقيقي هو العمل لا التملق، والإبداع لا التكرار. ثم إن النجاح يثير شعورًا بالذنب لدى من أهملوا فرصهم؛ فبدلًا من أن يحفزهم، يختارون الهجوم على الناجح لتبرير تقاعسهم. كما قالت الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري: “النجاح يكشف من كان يكتفي بالأعذار”، وهذه حقيقة مرة لا يريد كثيرون مواجهتها. ولا ننسى أن الناجح يكون دائمًا عرضة لتصيد الأخطاء وتضخيمها؛ فهناك من يترقب وينتظر بصبر كبير لحظة سقوطه، مهما كانت الهفوة صغيرة، ليحولها إلى قضية كبرى. هذا السلوك يعكس رغبة دفينة في تدمير الصورة المشرقة التي صنعها الناجح بجهده، لأن سقوطه يمنحهم شعورًا زائفًا بالانتصار.
في النهاية، كما قال الفليسوف الفرنسي ألبير كامو: “النجاح ليس ما تفعله أمام الناس، بل ما تفعله رغم الناس”.
* كاتب وإعلامي بحريني