وسط هذا الزحام الشديد من البرامج الهابطة والتنافس الأشد بين المحتويات والمضامين الإعلامية التافهة، والتدافع المتواصل من قليلي الذوق والثقافة والأدب عبر مختلف المنصات الإعلامية، من الجميل أن نرى هذا النجاح الكبير لبرنامج معني بالقرآن الكريم وحسن تلاوته، وهو برنامج “دولة التلاوة” الذي يذاع عبر عدد من القنوات الفضائية المصرية، واستطاع أن ينفذ لكثير من البيوت في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي؛ لأهدافه السامية وما يقدمه من أصوات مميزة ومتمكنة في قراءة القرآن الكريم.
لكن لم أكن مرتاحًا حينما وجدت أحد المتخصصين في المقامات الموسيقية ـ مع كل الاحترام والتقدير لشخصه ـ من بين المقيمين ولجنة الحكام على هؤلاء القراء، بل وله كلمة حاسمة وفاصلة في التمييز والتفضيل، وهو أمر يستحيل أن نراه في المسابقات والبرامج المعنية بالغناء والموسيقى، أي أن نجد من بين المحكمين من ينتمي لخارج هذا الوسط الفني.
بغض النظر عن الرأي الشرعي واختلاف الآراء حول قراءة القرآن الكريم بالمقامات الموسيقية، إلا أنني لم أستسغ إعطاء هذه المساحة “الموسيقية” في الحكم على القراء، وأخشى أن استمرار تواجدها يجعل المشاهد يربط تلقائيًا بين القراءة الصحيحة للقرآن الكريم وبين هذه المقامات الموسيقية، وليس أحكام التجويد والترتيل والقراءات المختلفة التي تختلف تماما عنها. حضور الموسيقى ومقاماتها لا ينسجم ولا يتناسب مطلقًا مع هذه الجلسات الإيمانية والمجالس والمسابقات القرآنية ويذهب بهيبتها ورونقها الإيماني، ويؤثر على وقار القرآن وجلاله ويبعد تركيز المتسابق عن أحكام التجويد.
الأمر الآخر، أرى أن عدم التمييز العمري بين المتسابقين يعرض البعض للظلم في الحكم والتقييم، وربما لو تم التصنيف بينهم لفئتي الشباب والأطفال لكان أفضل؛ فمن الصعب أن يمتلك الطفل الصغير نفس المقومات الصوتية والنضج الذي يمتلكه الشاب الذي يكبره بسنوات ووصل لمرحلة أكبر بطبيعة الحال من الثبات والقوة والفهم الذي يمكنه من التلاوة بشكل أفضل من الصغير.
* كاتب بحريني