العدد 6289
الجمعة 02 يناير 2026
قرب يصنع الإنسان
الجمعة 02 يناير 2026

قرب الوالدين من أبنائهما من أهم مقومات بناء الإنسان السويّ، فالعلاقة بين الوالد والطفل لا تُقاس بما يُقدَّم من مال أو هدايا، بل بما يُمنَح من وقت واهتمام وحب صادق. ويضع الإسلام القرب والرحمة في صميم العلاقة بين الوالدين وأبنائهما، ويكفي أن نستحضر قول النبي محمد صلى الله على وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”، وهو حديث يختصر فلسفة كاملة في التعامل مع الأبناء.

فالرحمة هنا ليست ضعفًا، بل وعيًا بحاجات الطفل النفسية والعاطفية، وقربًا يشعره بالأمان والانتماء. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقبّل الأطفال، ويحملهم، ويلاطفهم، ليؤكد أن التربية الحقة تبدأ من القلب قبل الأوامر، ومن الاحتواء قبل التوجيه. فحين يعيش الأبناء هذا القرب الرحيم، تنمو شخصياتهم على الثقة والطمأنينة، ويشبّون أكثر توازنًا، وأصدق ارتباطًا بقيمهم وأسرهم.

ويعبّر عن هذا المعنى العديد من المفكرين والمشاهير عبر تجاربهم الإنسانية. تقول الكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ: “الأطفال يحتاجون إلى الحب أكثر حين يستحقونه أقل”، في إشارة عميقة إلى أن القرب الحقيقي يظهر في لحظات الخطأ قبل النجاح، وفي الاحتواء قبل العقاب. فحين يشعر الطفل أن والديه قريبان منه مهما تعثّر، ينشأ أكثر ثقة بنفسه وأقل خوفًا من الفشل. أما الفيلسوف الأميركي رالف والدو إمرسون فيرى أن “أعظم هدية يمكن أن تقدمها لطفلك هي أن تؤمن به”.

وهذا الإيمان لا يتحقق بالكلمات فقط، بل بالحضور اليومي، والاستماع الجيد، والمشاركة في تفاصيل الحياة الصغيرة التي تصنع شعور الأمان.

في المحصلة، قرب الوالدين من أبنائهما ليس رفاهية تربوية، بل مسؤولية إنسانية. هو استثمار طويل الأمد في إنسان الغد، وفي مجتمع أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على الحب والعطاء.

* كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية