في رحلة الحياة، نلتقي بأشخاص يبدون في البداية هدية القدر... مبتسمون، متعاونون، حاضرون في كل مناسبة. لكن مع أول منعطف حاد، حين تحتاج إلى من يسندك، تجدهم وقد اختفوا، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من الطريق. هؤلاء هم “أصدقاء منتصف الطريق”، والذين لا يظهرون إلا حين تكون الظروف مواتية لهم، لا لك.
الكاتب الأميركي مارك توين قال ذات مرة: “كن حذرًا في اختيار أصدقائك، فالأصدقاء المزيفون أخطر من الأعداء الصريحين”، وهي عبارة تختصر الكثير من التجارب التي نمر بها في بيئات العمل والعلاقات الشخصية والتجارية، حيث يقترب منك البعض حين تكون في موقع تأثير، ثم يتوارون حين تحتاج إلى دعمهم في موقف بسيط أو أزمة عابرة. وفي التاريخ، يروي لنا نيلسون مانديلا قصة أصدقائه الذين تخلوا عنه بعد سجنه، قائلًا: “تعرفت على أصدقائي الحقيقيين في زنزانتي، لا في قاعات الاجتماعات”، فالمواقف الصعبة وحدها تكشف المعادن، وتُظهر من يسير معك الطريق كله، ومن يتوقف عند أول حاجز.
“أصدقاء منتصف الطريق” لا يحملون في قلوبهم إلا ما يخدمهم، لا ما يخدمك، وجودهم مرتبط بظرف، لا بعلاقة، يختفون حين تنطفئ الأضواء، ويظهرون حين تعود لتلمع. لذا، لا تحكم على الناس من أول وهلة، ولا تغتر بالمظاهر أو الكلمات المعسولة. فالصديق الحقيقي لا يختفي عند الحاجة، ولا يتوارى خلف الأعذار حين تشتد الظروف. كن يقظًا، وميّز بين من يسير معك الطريق كله، ومن يتوقف عند أول منعطف. وهنا يتجلى المثل العربي القديم: “الصديق وقت الضيق، لا وقت الرخاء”، فالصداقة الحقيقية لا تُقاس بعدد اللقاءات أو المجاملات، بل بمدى حضور الصديق حين تغيب الأضواء وتشتد الظروف، ويشح المال، وتضعف الصحة.
* كاتب وإعلامي بحريني