العدد 6270
الأحد 14 ديسمبر 2025
بين الدعوة إلى التغيير ومقاومة الإيجابية
الأحد 14 ديسمبر 2025

رغم الحاجة الملحّة إلى تطوير السلوكيات والثقافة المجتمعية، إلا أن أي محاولة لطرح أفكار إيجابية تصطدم أحيانًا برفض غير مبرر ومقاومة غير مفهومة.
على مدى أكثر من عشر سنوات من الكتابة الصحفية في جريدة  “البلاد”  ككاتب مقالات مستقل كان تركيزي منصبًّا على القضايا الاجتماعية، والسلوكيات اليومية، والثقافة العامة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث وعي، ولو بشكل تدريجي. تنقلت في مقالاتي بين الإشادة بما هو جميل وناجح، ونقد ما يستدعي التصحيح، وبأسلوب واضح لا يمس من أحد، واضعًا نصب عيني هدفًا واحدًا هو المساهمة في الارتقاء بالمجتمع البحريني . فقد كان شعاري “البحرين أولًا “، ولاشيء غير ذلك، بل كنت أكرر جملة “البحرين تستاهل”، فنحن نعيش في وطننا الحبيب نعمة الأمن والأمان التي تشكّل أساس الاستقرار وراحة العيش، حيث يشعر المواطن والمقيم بالطمأنينة في حياته اليومية، في بيته وشارعه ومكان عمله، وقد أسهم هذا الاستقرار في تعزيز التلاحم المجتمعي ودعم مسيرة التنمية، ليبقى الأمن والأمان في البحرين ركيزةً أساسية نحمد الله عليها ونسعى جميعًا للمحافظة عليها.
وخلال هذه المسيرة التي أعتز بها، برزت أمامي ملاحظة تستحق التوقف عندها، وهي أن الطرح الإيجابي، أو الدعوة إلى تغيير بعض السلوكيات والثقافات السائدة، كثيرًا ما يُقابل بردود فعل يغلب عليها الطابع السلبي، حتى وإن كانت الفكرة المطروحة بسيطة، أو قابلة للتطبيق، أو نابعة من تجارب واقعية!
فقد كنت حريصا جدا على تناول المواضيع من زوايا متعددة ومختلفة، وأن أعرضها بلغة هادئة وبنّاءة، إلا أن بعض القراء يتعاملون مع أي فكرة جديدة باعتبارها مساسًا بما اعتادوا عليه، أو تشكيكًا في صحة ما يؤمنون به. وهنا يثار تساؤل مشروع: هل المشكلة في الفكرة ذاتها، أم في ثقافة المجتمع في رفض التغيير؟
فمن الطبيعي جدًا أن تختلف الآراء، وأن تتباين وجهات النظر، فذلك جزء أصيل من أي مجتمع حي. غير أن الإشكالية تكمن في أن يتحول الاختلاف إلى رفض مطلق، وأن يُنظر إلى النقد أو الاقتراح على أنه هجوم لا دعوة للإصلاح. فالتغيير لا يعني بالضرورة إلغاء ما هو قائم، بل تطويره وتحسينه ( continuous improvement) بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
إن التمسك بالسلوكيات والثقافات لمجرد أنها مألوفة، لا يجعلها بالضرورة الأفضل، فالتقدم، في جوهره، يقوم على المراجعة والتقييم والانفتاح على التجارب الجديدة، دون إنكار للهوية أو القيم الأصيلة التي تشكل أساس المجتمع.
إن المجتمعات التي تنمو وتزدهر هي تلك التي تسمح بالنقاش الهادئ، وتستمع للرأي المختلف، وتتعامل مع النقد بوصفه فرصة للتصحيح لا تهديدًا للاستقرار. أما الاكتفاء برفض كل طرح جديد، فإنه يكرّس الجمود ويؤجل فرص التطوير.
و من هذا المنطلق، ستظل الكتابة الإيجابية والدعوة إلى التغيير الواعي خيارًا لا حياد عنه، إيمانًا بأن الكلمة المسؤولة، وإن لم تحظَ بالقبول الفوري، تبقى قادرة على ترك أثرها مع الوقت.
الخلاصة  يبقى السؤال الأهم:
هل نمتلك الاستعداد الحقيقي لمراجعة أنفسنا؟ أم أننا نفضل البقاء في دائرة المألوف، حتى وإن أدركنا حاجتنا إلى التغيير؟


ما رأيكم ؟

 

* كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .