لم يعد ازدحام الشوارع في البحرين مجرد انطباع يومي عابر فحسب، بل تحوّل إلى عبء ثقيل يرافق المواطن والمقيم منذ خروجه من منزله حتى عودته إليه. والمشكلة ليست جديدة؛ فقد تناولناها مرارا وتكرارا، وتناولها غيرنا كثيرون. ومع ذلك، ما تزال الأزمة تراوح مكانها، حتى بات الزحام جزءا من تفاصيل يومنا، لا مفر منه ولا مهرب من تأثيره.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة في إنشاء طرق جديدة، وتوسعة الشوارع القائمة، وبناء جسور حديثة، فإن الواقع يقول إن هذه الحلول تظل مؤقتة؛ فعدد المركبات في المملكة يتزايد بوتيرة تفوق قدرة البنية التحتية على الاستيعاب، وأصبحت كل توسعة للطرق مجرد فاصل قصير قبل أن تعود الأزمة إلى شكلها الأول.
لكن جانبا من هذه المشكلة ليس مرتبطا بالبنية التحتية وحدها، بل بأسلوب إدارتنا لحياتنا اليومية وتنظيمنا لأنشطتنا الاجتماعية. وهنا يأتي دور المجتمع إلى جانب الدولة.
فمن الظواهر التي تزيد الضغط على الطرق – من دون أن نلتفت إليها بما يكفي – تجمع المناسبات الكبيرة في عطلة نهاية الأسبوع؛ حفلات الزواج والاستقبالات الرسمية وما يتبعها من ازدحام حول القاعات والفنادق والمناطق السكنية، كلها تكوّن موجة مرورية خانقة تمتد ساعات طويلة، وتربك حركة الناس وتزيد إرهاق الطرق. كما لا ننسى أن جيراننا في الشقيقة السعودية يتهافتون دائما مع عطلة نهاية الأسبوع، وهذا كما ذكرنا سابقا يعتبر أحد أسباب نجاح أنشطتنا ومشاريعنا الاقتصادية والتجارية والسياحية والخدمات اللوجستية الأخرى؛ لذا يترتب على تلك الأنشطة المكثفة ضغط نفسي على المدعوين الذين يقومون بأداء واجبهم على حساب التزاماتهم الشخصية والعائليّة الأمر الذي أجده غير منصف!
ومن هنا، أطرح اقتراحا بسيطا في شكله كبيرا في أثره، وهو تشجيع إقامة حفلات الزواج والمناسبات الأخرى خلال أيام الأسبوع بدلا من حصرها في الخميس والجمعة. شخصيا طبقت هذه الفكرة في مناسبات عدة وقد وجدتها إيجابية جدا، وضمانا للحضور الجيد للفعالية.
ولا شك في أن تغييرا في الثقافة كهذا لا يحتاج إلى قوانين ملزِمة، بل إلى وعي اجتماعي، وإلى تعاون بين الجهات الرسمية وأصحاب القاعات والفنادق؛ ليصبح تنظيم حفلة منتصف الأسبوع خيارا جاذبا عبر تخفيض الأسعار أو تقديم مزايا إضافية.
إن الازدحام المروري في البحرين لن يُحلّ بالمشروعات الإنشائية وحدها، مهما كان حجمها، ما لم نساندها بحلول تنظيمية ووعي مجتمعي؛ فالقانون – بروحه ومعناه – لا يفرض فقط، بل يتشارك الجميع في صنعه، من خلال سلوك مسؤول، ونظرة بعيدة تتجاوز حدود المناسبات إلى المصلحة العامة.
ولأن الطرقات ملك للجميع، فإن تحسين جودة حياتنا يبدأ من إدراك أن المسؤولية مشتركة؛ لا حكومية ولا اجتماعية فقط، بل مزيج من الاثنين معا؛ فحين تتكامل الأدوار والمسؤوليات يمكن أن يصبح الطريق أكثر انسيابية، ويصبح الزمن الذي نهدره في الازدحام مساحة للحياة لا قطاعا مفقودا منها.
ما رأيكم؟
* كاتب وإعلامي بحريني