العدد 6267
الخميس 11 ديسمبر 2025
سيف ذو حدّين أم مظلة حماية؟
الخميس 11 ديسمبر 2025

يرتفع الستار في أستراليا عن “درع رقمي” طال انتظاره لحماية القاصرين، لكنه ما إن اقترب من لحظة التطبيق حتى دوّى تحذير مباغت من غوغل، ليحوّل القانون الجديد إلى لغز محيّر: كيف يمكن لتشريع يُفترض أن يصون الأطفال أن يجعلهم – وفقاً ليوتيوب – أقل أماناً؟
اعتباراً من امس الأربعاء، 10 ديسمبر، يدخل القانون الأسترالي حيّز التنفيذ ليمنع من هم دون السادسة عشرة من استخدام منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، بما فيها (تيك توك، وسناب شات، ويوتيوب، وفيسبوك وإنستغرام). ويُلزم الشركات بالتحقق الصارم من أعمار المستخدمين تحت طائلة غرامات باهظة، بينما يستثني منصات مُخصصة للأطفال مثل “يوتيوب كيدز” والخدمات التعليمية والصحية. 
ورغم أن الحكومة تروّج له كجدار حماية رقمي، فإن المشهد يبدو أعقد من شعار جذاب أو وعد برّاق؛ فالقانون يهبط كصاعقة على منظومة رقمية دقيقة، تتشابك فيها التكنولوجيا مع السلوكيات الإنسانية في فضاء متحوّل.
لكن قلب المفارقة يتجسد في تحذير راشيل لورد، مديرة السياسات العامة لدى غوغل، التي أكدت أن “التنظيم المتسرّع لا يفهم منصة يوتيوب، وسيجعل الأطفال أقل أماناً”. خلف هذه الجملة القاطعة، تكمن حُجّة لافتة: تسجيل الخروج الإجباري للأطفال دون 16 عاماً سيجردهم من الخصائص التي صُمّمت أساساً لحمايتهم. فحين يفقد المستخدم الصغير إمكانية تسجيل الدخول، يتلاشى على الفور نظام الرفاهية الرقمية المدمج: ميزات “أخذ استراحة” و”وقت النوم”، التحكم في سجل المشاهدة، إعدادات التذكير، والتوصيات التي تُبنى على سلوك المستخدم لحجب المحتوى الضار. 
حتى أدوات الرقابة الأبوية، التي تعتمد على الحساب المرتبط، ستذوب خارج هذه المظلة التقنية. 
ومِن دون هذه الدرع، قد يجد الطفل نفسه في فضاء أوسع وأقل رقابة، يشاهد محتوى بلا توجيه أو تصفية، وبلا الخطوط الحمراء التي كانت المنصة تضعها تلقائياً. 
هكذا يصبح “الفلتر العمري” الذي أراده المُشرّع بوابة خروج من الأمان بدل أن يكون سياجه.
أما التداعيات العملية، فستكون ثقيلة على كل مستخدم أسترالي دون السادسة عشرة: تسجيل خروج تلقائي، وانهيار عالمه الرقمي الصغير دفعة واحدة.
 لن يستطيع الاحتفاظ بقوائم التشغيل، أو الإعجابات، أو الاشتراكات، ولن يتمكن من إدارة قناة أو تخصيص تجربته. إنها فجوة رقمية تُفتح بين التشريع والواقع، وتكشف منطقة رمادية تتقاطع فيها النوايا النبيلة مع آليات تنفيذ قد تحجب أكثر مما تحمي.
في النهاية، يقف أطفال أستراليا في مفترق طرق بين قانون يسعى لحمايتهم ومنصات تحذّر من أن هذا الحصن الجديد قد يخفي شقوقاً خطيرة. 
وبين هذين الطرفين، يتواصل الجدل المحتدم حول شكل الرقابة الرقمية وحدودها، وحول السؤال الأكبر: كيف نصنع حماية فعّالة، دون أن نطفئ المصابيح التي تهدي الصغار في عالم الإنترنت الواسع؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .