ظلت أصوات تتدفق على منصات التواصل الاجتماعي كما لو كانت حقائق مُطلقة، لينهض سؤال مُفزع كجرس خفي: من يقف حقًا خلف تلك الحسابات التي نتبادل معها الانفعالات كل يوم؟
فقد انكشف الستار الرقمي مؤخرًا على منصة “X”، بعد تفعيل خاصية إظهار الموقع الجغرافي، لتسقط معها أقنعة كثيرة كانت تُموّه حضورها.
وما بدا حدثًا تقنيًا عابرًا لم يكن سوى إنذار عالمي بأن المحتوى الرقمي لم يعد يُؤتمن دون فحص، وأن الأمانة في سرد الحقيقة باتت تتطلب يقظة أكبر من أي وقت مضى.
القناع الزائف
مع اتضاح المواقع الجغرافية للحسابات، تكاثرت المفاجآت كأنها أوراق كُشِفَت على رقعة شطرنج خفية. حسابات ترفع رايات القضايا العربية وتُطلق العبارات الجياشة، بينما مصدر بثّها يأتينا من تل أبيب أو من مدن أوروبية بعيدة.
لم تعد تلك مجرد “حسابات وهمية”، بل أقرب إلى أشباح الهوية، أو خلايا نائمة إلكترونية تعمل على هندسة الفتنة عن بُعد.
ومن بين ما كشفته الخاصية الجديدة، وجود حساب كان يدّعي أنه في السعودية بينما يبث من داخل إسرائيل، مقدّمًا نفسه كخبير قادر على استعادة الحسابات وحل المشكلات التقنية مقابل بيانات شخصية حساسة.
مثل هذه الحالات ليست عابرة، بل جزء مما تسميه الدراسات الحديثة بـ “مزارع التروّل” المرتبطة بحملات مدعومة من دول بهدف إعادة تشكيل المزاج العام.
وتضاف إليها موجات أخرى من الحسابات التي تزرع الانقسام بين الشعوب؛ حسابات تدعي أنها مصرية تهاجم السعودية، وأخرى تدعي انها سعودية تهاجم مصر، ثم تبين حينما نزعت ادارة اكس القناع، انها تدار من تل ابيب، وفجأة، مجموعات كاملة اختفت، تبخرت، كأنها وحدات عملياتية انكشفت فأنهت مهمتها.
هذه ليست حوادث مبعثرة، بل حلقات من شبكة أوسع، تجد جذورها الفكرية في استراتيجيات قديمة مثل “خطة ينون” التي نُشرت عام 1982، والتي دعت إلى تفتيت العالم العربي إلى وحدات صغيرة مرهقة ومتصارعة. ورغم أنني لا أتبنى أي اتهامات قاطعة، إلا أن السياق التاريخي يساعد في فهم أن الفوضى الرقمية قد تكون امتدادًا لخطط تستهدف تآكل التماسك الإقليمي عبر الزمن.
فخ الفتنة: سلاح الاستجابة العاطفية
هذه الحسابات لا تُهاجم المتلقي مباشرة، بل تتسلل إليه عبر ما يمكن وصفه بـ”الاصطياد العاطفي”. فهي تتعمّد تضخيم السردية عبر إعادة نشر المحتوى المثير للغضب مئات المرات في أوقات متقاربة، لتهيئة بيئة انفجار شعوري تشبه “غرفة صدى” تُضاعف الصوت حتى يصير صراخًا.
ثم يأتي دور تقنية أخرى أخطر: الاستنساخ الارتدادي، حيث يشن الحساب المزيف هجومًا مستفزًا على شعب أو منطقة، فيندفع الجمهور الحقيقي للردّ بحدة، فتتحول المساحة العامة إلى ساحة حرب لغوية.
بهذه الطريقة، لا يتم فقط تضليل الناس، بل يتم تدمير رأس المال الاجتماعي بين الشعوب والأسر والأجيال.
والنتيجة ليست مجرد معلومة خاطئة، بل فيروس شك متبادل يتكاثر يوميًا حتى يصبح اليقين نفسه موضع شك.
الأمر يزداد خطورة حين تتلاقى هذه الحملات الرقمية مع نزعات انعزالية داخل المنطقة، بعضها يجد، للأسف، استحسانًا من نخب تُفضّـل سرديات تُبرر فشلها وتخدر شعوبها، حتى لو كانت تلك السرديات تخدم –عن وعي أو دون وعي– خططًا أوسع لضرب استقرار المنطقة. كما قال أحد المتورطين في هذه التيارات: “ما فعلناه كان يخدم إسرائيل”.
النداء الأخير لليقظة
لقد منحتنا التكنولوجيا الحديثة –مثل خاصية كشف الموقع على منصة X– ما يشبه نظارة شفافة تكشف ما كان مستورًا خلف الشاشات.
ومن هنا، يبدأ الدور الأخطر: الانتقال من مرحلة الاستهلاك السريع للمعلومة إلى مرحلة التدقيق اليقظ والتفكير النقدي قبل التفاعل.
أصبح المتلقي اليوم هو الحاجز الأخير أمام سيل التضليل، والسلاح الوحيد القادر على صون الوعي هو: الشك المنهجي، ووزن الروايات، والتروي قبل الانفعال. ففي عالم يتصارع على تشكيل الحقيقة، تكون يقظة المتلقي هي آخر خطوط الدفاع عن العقل والهوية.
*كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي