العدد 6244
الثلاثاء 18 نوفمبر 2025
من رهبة المنصة إلى منصة التأثير: كيف انتصرت على الخوف وصنعت طريقي بنفسي؟
الثلاثاء 18 نوفمبر 2025

في العام 1982، وأنا طالب في السنة الثالثة بكلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود، وجدت نفسي واقفا على منصة صغيرة أمام زملائي في مادة “مشروع بحث”. كان يفترض أن أتحدث دقائق، لكنها بدت دهرا كاملا. تحشرج صوتي، وتثبت لساني، وارتجفت أطرافي، وشعرت حينها بأن الوقوف أمام الجمهور هو المستحيل بعينه. خرجت من القاعة يومها وأنا أؤمن أن الخطابة ليست طريقي، وأنني لست من أولئك الذين يقفون أمام الناس بثبات وثقة.

لكن الحياة كانت تخبئ لي طريقا آخر.
في سبتمبر 1983 التحقت بالأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي، ومرت السنوات حتى كُلفت في 8 أكتوبر 1997 بتنظيم ندوة الثروة السمكية بمسقط. ومع اقتراب الجلسة الختامية فاجأني الأمين العام بطلب تقديم البيان الختامي أمام قاعة مكتظة بالحضور. عاد ذلك الخوف القديم يطرق أبواب قلبي، إما أن أرفض وأغلق على نفسي أبواب المستقبل، أو أقبل وأفتح لنفسي طريقا جديدا. اخترتُ الخيار الأصعب: المواجهة. ألقيت البيان بصوت لا يخلو من ارتجاف، لكنني نجحت. نجحت لأنني حاولت، لا لأنني أتقنت. وكانت تلك اللحظة هي المفترق.


بعد عودتنا إلى الدمام تقدمت بطلب دورة تدريبية في فن الإلقاء والعرض في دبي، لكن الطلب رُفض بحجة ارتفاع التكلفة. عندها أدركت أن من يريد أن ينهض لا ينتظر الفرص، بل يصنعها. خطرت لي فكرة أن ننظم نحن ورشة عمل داخلية، بحيث نستفيد علميا وماديا، وهكذا حدث. بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة البحرين، نظمت ورشة “العرض والإلقاء وتقديم المعلومات بفعالية” من 10 إلى 12 سبتمبر 2001، وبصافي دخل بلغ 20 ألف ريال، وبمشاركة 27 متدربا من دول الخليج الست. تعلم المشاركون خلالها كيفية بناء الثقة بالنفس، شد انتباه الجمهور، التعامل مع الأسئلة الصعبة، استخدام الصوت، التحكم بلغة الجسد، إعداد الكلمات وأوراق العمل، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وقدم الدورة الأستاذ خالد محمد الزامل، واستفدنا أيضا من خبرات مدربين من معهد البحرين للتدريب. بعد تلك المحطة، لم أعد الشخص الذي يخاف المنصة، بل أصبحت أنا من يصعد إليها بثبات. قدمت عشرات أوراق العمل، وكانت آخرها في مؤتمر تحرير تجارة الخدمات السياحية العربية في القاعة الكبرى بجامعة الدول العربية بالقاهرة في سبتمبر 2002. يومها أدركت أنني لم أتغلب على الخوف فقط، بل صنعت منه وقودا. هذه الرحلة لم تكن سهلة، ولم تكن سريعة، لكنها كانت حقيقية وصادقة. تعلمت أن الخوف لا يرحل إلا إذا وقفنا أمامه، وأن النجاح ليس امتياز من يُسمح لهم، بل مكافأة من لا يستسلمون. أدركت أن الفرص لا تأتي لمن ينتظر، بل لمن يبادر، لا لمن يطلب، بل لمن يصنع.


ولذلك إذا كان هناك درس واحد أحمله من تلك التجربة فهو: لا تسمح لرهبة اللحظة أن تصادر مستقبلك. خذ الخطوة، مهما كانت مهزوزة، فربما تكون هي بداية الطريق.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .