العدد 6210
الأربعاء 15 أكتوبر 2025
اتحاد غرف إمارات الخليج العربي.. حلم اقتصادي سبق زمنه
الأربعاء 15 أكتوبر 2025

في العام 1969 تأسس اتحاد غرف تجارة وصناعة إمارات الخليج العربي بمبادرة من غرفة تجارة وصناعة البحرين، ليضم في عضويته غرف كل من: قطر، البحرين، وأبوظبي، ودبي، ورأس الخيمة، والشارقة، والفجيرة. وقد تم في حينه إعداد ميثاق الاتحاد ونظامه الداخلي، وانتخاب أول أمين عام، وتحديد مقره الدائم في البحرين. ورغم توقف نشاط الاتحاد لاحقًا بسبب حساسيات خليجية سياسية واختلافات في وجهات النظر، فقد كانت هناك جهود صادقة لإعادة انعقاده في الدورة الرابعة بالدوحة بهدف إحياء هذا الكيان الاقتصادي الخليجي. غير أن ذلك لم يحدث، إذ عُقد لاحقًا مؤتمر للغرف في جدة أفضى إلى تأسيس اتحاد خليجي آخر للغرف التجارية والصناعية، وكأن الاتحاد الأول لم يكن موجودًا. وهنا يبرز السؤال: هل تأسس اتحاد الغرف الخليجية بالعام 1969 أم العام 1979؟


نترك الإجابة للقارئ من خلال سرد وقائع المؤتمرات وأبرز توصياتها.
المؤتمر الأول – المنامة (20 إلى 23 أبريل 1969)
عُقد المؤتمر الأول بمبادرة من غرفة تجارة وصناعة البحرين، وترأسه رئيس غرفة البحرين آنذاك علي عبدالرحمن الوزان رحمه الله، بمشاركة وفود من أبوظبي، دبي، الشارقة، الفجيرة، رأس الخيمة، قطر، إضافة إلى الأمين العام لاتحاد الغرف العربية بصفة مراقب. وقد نتج عنه إقرار الميثاق الأساسي للاتحاد. شملت توصيات المؤتمر حرية التجارة البينية بين إمارات الخليج وتسهيل الترانزيت وإعفاؤه من الرسوم الجمركية، وتوحيد الأنظمة الجمركية والمقاييس والمكاييل والأوزان واعتماد النظام العشري، وإعداد تشريعات موحدة لتنظيم التجارة، وتشجيع الزراعة المحلية وإنشاء الجمعيات التعاونية ودعم التعليم الزراعي، واستثمار رؤوس الأموال محليًا وتشجيع انتقالها بحرية بين الإمارات، وإنشاء بنك مركزي خليجي موحد. وفي مجال الصناعة والتدريب، أوصى المؤتمر بإنشاء مكتب للتنمية الصناعية لعمل مسح شامل للموارد وتوزيع الصناعات، وسنّ تشريعات صناعية موحدة، وإنشاء مؤسسة خليجية للاستثمارات الصناعية بمشاركة القطاعين العام والخاص، وإعطاء الأفضلية للمواطنين في التوظيف، والاهتمام بالتعليم المهني والتجاري وإنشاء مراكز تدريب بالتعاون مع منظمات عربية ودولية. غير أن هذه التوصيات بقيت دون تنفيذ، إذ انشغلت حكومات الإمارات حينها بمفاوضات تأسيس اتحاد الإمارات العربية المتحدة.


المؤتمر الثاني – أبوظبي (15 إلى 17 يونيو 1970)
جاء المؤتمر الثاني استكمالًا لما بدأه الأول، بمشاركة وفود من الإمارات السبع، وناقش مشروعات اقتصادية مشتركة جديدة.
وتضمنت توصياته تأسيس شركة ملاحة خليجية بالتعاون مع غرف الكويت والعراق، وإعادة تنظيم شركة طيران الخليج لتكون ملكيتها وأرباحها لصالح أبناء الخليج، وتأسيس شركة وطنية لتسويق البترول ومشتقاته، وتكليف غرفة البحرين بدراسة إنشاء شركة أهلية للحفر النفطي، واعتبار إمارات الخليج منطقة اقتصادية واحدة وتوحيد شهادة المنشأ للبضائع، والالتزام بمقاطعة إسرائيل ومنع التعامل مع الشركات المتعاونة معها، ونشر أسماء الشركات المخالفة أو المحتالة لتجنب التعامل معها مستقبلًا.
المؤتمر الثالث – البحرين (22 إلى 24 مايو 1971)
انعقدت الدورة الثالثة بمشاركة وفود من جميع الغرف الأعضاء في اتحاد غرف تجارة وصناعة إمارات الخليج العربي، وهي: أبوظبي، البحرين، دبي، الشارقة، رأس الخيمة، الفجيرة، قطر، وبحضور وفود مراقبة من الأمانة العامة لاتحاد الغرف العربية، ووزارة الاقتصاد والتجارة في سلطنة عمان، وغرف تجارية وصناعية من المملكة العربية السعودية والكويت. (اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني)
وأقر المؤتمر أن يكون المقر الدائم للاتحاد في البحرين، وانتخب السيد تقي محمد البحارنة أمينًا عامًا فخريًا، واعتمد الموازنة والنظام الداخلي للاتحاد.


كما أوصى بإحياء مشروع شركة الملاحة الخليجية ومتابعة التنسيق مع الكويت والعراق، وتعديل أوضاع شركة طيران الخليج بخفض نسبة رأس المال الأجنبي إلى 15 % وتوزيع الملكية بين حكومات وشعوب الخليج ونقل تسجيل الشركة إلى إحدى دول الخليج.
وفي الجانب الصناعي، كلف المؤتمر مركز التنمية الصناعية العربي بدراسة تنمية الصناعة في الخليج من خلال مسح الصناعات القائمة واقتراح صناعات جديدة ووضع خطة لتأهيل القوى العاملة الفنية والإدارية، إضافة إلى إنشاء مراكز بحوث صناعية خليجية في مجالات البتروكيماويات وتحلية المياه والألمنيوم والأسمدة، وتأكيد التوجه نحو الصناعات الكبيرة الموجهة للتصدير والتنسيق الصناعي مع الدول العربية، وتشجيع توحيد النقد وإنشاء بنك مركزي خليجي.

المؤتمر الرابع – الدوحة (1976)
كان من المقرر انعقاد المؤتمر الرابع بعد انقطاع خمس سنوات بسبب الخلافات في وجهات النظر، وكانت المشاركة المنتظرة تشمل الكويت والسعودية كأعضاء أساسيين لأول مرة.
وقد تم تحديد جدول أعمال ثري تضمن التعاون الاقتصادي بين دول الخليج، والتنسيق الصناعي وتنمية الموارد البشرية، وتطوير المواصلات والاتصالات، وتنظيم قطاع الصيد وتسويق الثروة السمكية، وتنمية الثروة الزراعية والحيوانية، وتنمية الصناعة الفندقية، وتنسيق التشريعات التجارية وتوحيدها، وتوثيق التعاون بين الغرف وجعل المؤتمر دوريًا.
ميلاد الاتحاد الخليجي الجديد (1979)
لم يعُقد المؤتمر الرابع في الدوحة، إذ طرحت غرفة تجارة وصناعة الكويت بالعام 1976 فكرة عقد مؤتمر لغرف الخليج العربية للبحث في دور القطاع الخاص في تعزيز التعاون الاقتصادي الخليجي، واستجابت المملكة العربية السعودية لإستضافة المؤتمر في مدينة جدة.

وقد عُقد مؤتمر التنمية الاقتصادية الغرف الخليج العربي في جدة بالفترة 23 - 27 شوال 1396 هـ الموافق 16 - 20 أكتوبر 1976 م وتم اتخاذ العديد من القرارات والتوصيات، ومنها إنشاء إتحاد عام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للدول العربية الخليجية، يكون مقره مدينة الدمام في المملكة العربية السعودية، وكلف لجنة مؤلفة من مديري هذه الغرف لوضع مشروع نظام أساسي للاتحاد لعرضه على المؤتمر في دورته التالية التي كان مقررا عقدها في دولة الكويت خلال النصف الأول من العام 1977، كما تقرر أن تكون الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية بمثابة أمانه للمؤتمر ريثما يتم انشاء الاتحاد.

لم يعُقد المؤتمر كما حدد له في 1977، فقد عقدت غرف التجارة والصناعة والزراعة في الدول العربية الخليجية مؤتمرها الثاني في مبنى غرفة الكويت بتاريخ 23 ذي القعدة 1399 هـ الموافق 14 أكتوبر 1979، حضره رؤساء وممثلو الاتحادات والغرف العربية في الاقطار الخليجية: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، المملكة العربية السعودية، العراق، عمان، قطر، والكويت، كما حضره الأمين العام للاتحاد العام للغرف العربية، وتم إعلان يوم 14 اكتوبر 1979 قيام “اتحاد الغرف العربية الخليجية”، ليكون بمثابة الإطار المؤسسي لعمل هذه الغرف في إتجاه تحقيق التعاون والتنسيق والتكامل بين إقتصاديات المنطقة.

وفي اليوم التالي عُقد الاجتماع الأول لمجلس الاتحاد الجديد الذي استضافته غرفة الكويت في 24 ذي القعدة 1399 هـ الموافق 15 أكتوبر 1979، بعضوية 7 جهات: اتحاد غرف الإمارات، غرفة البحرين، مجلس الغرف السعودية، اتحاد الغرف العراقية، غرفة عُمان، غرفة قطر، وغرفة الكويت.
وتم اختيار سيف أحمد الغرير رئيس اتحاد غرف الإمارات رئيسًا للاتحاد، والشيخ سعد محمد المعجل رئيس غرفة الدمام نائبًا للرئيس، وكاظم عبدالحميد المهيدي من العراق أمينًا عامًا، وتحديد رسم الإنتساب السنوي بخمسين ألف ريال، مع تثبيت المقر في مدينة الدمام.

وبعد الغزو العراقي للكويت بالعام 1990، عُلقت عضوية العراق وأُعيدت التسمية إلى “اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي”، وتم تعديل الشعار.

ومنذ تأسيسه بالعام 1979، عمل الاتحاد على تمثيل مصالح القطاع الخاص الخليجي وتنمية دوره الاقتصادي، من خلال التنسيق مع الحكومات والمنظمات العربية والدولية، ومعالجة التحديات التي تواجه التكامل الاقتصادي الخليجي، وفي 9 مايو 2009، صدر قرار رسمي يعترف به ممثلاً للقطاع الخاص الخليجي في القضايا الاقتصادية.

ومع قيام السوق الخليجية المشتركة، تعزز دور الاتحاد في صياغة السياسات الاقتصادية ودعم التواصل بين الغرف والحكومات، مركزًا على تسهيل حركة رؤوس الأموال، وتفعيل المواطنة الاقتصادية، وتنمية الشراكات والمشروعات المشتركة.
وخلال أكثر من أربعة عقود، ساهم الاتحاد في تمكين القطاع الخاص الخليجي والترويج للمزايا الاستثمارية والبنية التحتية المتطورة في دول المجلس، بالرغم من تأثر أدائه أحيانًا بالظروف السياسية.

تحليل التوصيات بين الرؤية والطموح

عند تحليل توصيات المؤتمرات الثلاثة الأولى، نجد أنها ليست أحلامًا ولا مجرد أمنيات، بل رؤية اقتصادية استراتيجية متقدمة لزمنها. فقد صدرت من غرف التجارة والصناعة، وهي جهات تمثل القطاع الخاص لا الحكومات، لذا كانت توصياتها توجيهية واستشرافية أكثر منها تنفيذية.

ومع أن بعض التوصيات، مثل الدعوة إلى إنشاء بنك مركزي خليجي أو توحيد التشريعات، كانت سابقة لعصرها، فإنها أرست الأسس الفكرية لما تحقق لاحقًا في إطار مجلس التعاون الخليجي.
أما التوصيات الخاصة بالتعليم المهني والتدريب الصناعي، فكانت واقعية وقابلة للتنفيذ، وقد تحققت بالفعل في السبعينات والثمانينات.

لقد عبرت تلك المؤتمرات عن وعي اقتصادي مبكر ورؤية وحدوية عميقة، جاءت في وقت كانت فيه المنطقة مشغولة بالكيانات السياسية الناشئة.
وبذلك يمكن القول إن توصيات اتحاد غرف تجارة وصناعة إمارات الخليج العربي بالعام 1969 كانت بذرة فكرية نمت لاحقًا لتصبح الثمار التي نراها اليوم في اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .