كنت واحدًا من الذين ظنوا بأن انتشار الفضائيات منذ نهايات النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، سيكون كفيلا بتعريف أبناء الوطن العربي على بعضهم، حيث ستعرّف بالكتاب والمفكرين والشعراء والإعلاميين والعلماء، وستعرف بالتاريخ والتراث والحرف، وبطبيعة المدن والقرى والأحياء. إلا أن مضي ثلاثين عامًا على انفتاح السماوات يبدو أنه لم يفعل الكثير، فلا تزال النظرات العربية - في العموم - هي نفسها ما قبل الفضائيات، وربما صارت أعقد، وأن الانغلاق والانكفاء المجتمعي والفكري، والاكتفاء بما لدى كل بلد بقي على حاله، فيما عدا هامش ضئيل من الشغوفين بالتعرف على “الآخر” كفرجة التعرف، وليس للتعلم العميق.
“الاستشراق” كما رآه إدوارد سعيد بوصفه سلسلة عملّيات ثقافيّة استعلائيّة مارسها مفكّرو الغرب ومثقّفوه تجاه عالم الشرق وحضاراته، يقابله “الاستخلاج” الذي يرى عرب كثيرون وغربيون أكثر، دول الخليج العربية بنظرة أفقية سطحية عابرة، تضع جميع مكونات أهالي هذه المنطقة في بوتقة واحدة. نظرة لا ترى أن لهذه المنطقة أهمية لولا ما ظهر فيها من نفط، وأنها قبل سنوات قليلة كانت عبارة عن خيام رثة تتطاير أطرافها جراء العواصف الترابية، منطقة لا تاريخ لها، ولا آثار فيها، وحتى إن وُجد بعضها فلا مقارنة بينها وبين دول المركز، لها كتاب بالصدفة ظهر بعضهم بوصفهم “طفرة”، والطفرات لا تتكرر.
والطريف أنه حين يتم تجسيد خليجي في عمل درامي عربي، فإن النظرة عنه وله وكأنها مستلة من أعمال هوليوود في الثلاثينيات، بدءًا من ملابسه غير الواقعية، وصولًا إلى لهجته المأخوذة من فيلم “عنتر”، تمثيل فريد شوقي وكوكا!. (المقال كاملا في الموقع الإلكتروني).
“الاستخلاج” لا يميز - لا يستطيع ولا يهتم - بين الكويتي والسعودي والبحريني والقطري والإماراتي والعماني، فكلهم “خليجيون” وكأنهم تربوا في بيت واحد، بل في غرفة واحدة لا فوارق بينهم، ولا تجارب تميزهم، ولا لهجات نحتوها عبر القرون استقرت في أماكن وأماكن أخرى كانت لها طبائعها الخاصة. هي النظرة نفسها التي تضع المملكة العربية السعودية - مثلًا - كدولة خليجية، لأن لها إطلالة على الخليج في منطقتها الشرقية، بينما في نجد هناك ثقافة مغايرة قائمة على طبيعة المنطقة، بينما الجانب الغربي من المملكة يطل على البحر الأحمر وما جاورته من بلدان بثقافة ذات اختلاف كبير على المنطقتين الأخريين، ناهيك عن الجنوب، ولكن كلهم واحد في عيون “المستخلجين” الذين لا يعرفون إلا القشور عن المنطقة، ويأنفون التعمق في دراستها، لاستعلاءات تاريخية، جرى التعبير عنها مرارًا بـ “المركز والأطراف” وأحيانًا “الهوامش”.
كاتب بحريني