العدد 6211
الخميس 16 أكتوبر 2025
من هنا يبدأ الخلل
الخميس 16 أكتوبر 2025

بينما كنت أسابق الخطوات مع صاحبي لإنجاز كتاب، قام المصمم بوضع صورة على الغلاف للشخص المعني بعد أن “لعب” بها عن طريق الذكاء الاصطناعي بشكل غير احترافي، أخرجها عن مشابهتها للشخص.. ليست لأنها أنظف وأنعم، بل لأنها لا تشبهه.. حاولت – بما أوتيت – الاعتراض والمطالبة بوضع الصورة الحقيقية للشخص، ولكن صاحبي قال مازحًا: “يا رجل.. على قول المصريين: ما تدقّش”! بشكل أو بآخر، فإن معنى الكلمة: لا تدقق، ولا تتحنبل.
ذكرتني هذه الكلمة بما قاله الشيخ عبدالحميد كشك في درس استمعت إليه في فترة مراهقتي المتوسطة، قائلًا باللهجة المصرية المحببة، إنّ كلمة مثل “معليش” واحدة من الكلمات التي أسهمت في تأخرنا، وإن كان يقصد على المستوى الديني، إذ إنها تعني تمرير ما يمرره الدين، ألا تقف أيضًا إلى جانب “ما تدقّش” بما يعني السماح بمرور أنصاف الجودة وأرباعها، والتنازل عن الحدود العليا من الإتقان، ومع حفظنا للحديث النبوي الشريف “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”، لا أن يشيح عن الإتقان بعدم التدقيق فيه، فكلمة الإتقان تعني – من ضمن ما تعنيه – المهارة والحذق، وهي أمور مطلوبة في كل صناعة، ومنها صناعة الكتابة.
إذا ما نظرنا إلى الأمم التي استطاعت ترميم ذاتها واستعادة قوتها، بل وانتصرت اقتصاديًّا – أو كادت – على من انتصر عليها عسكريًّا، سنتذكر ألمانيا واليابان، فالدولتان كانتا صناعيتين ومتقدمتين قبل الحرب العالمية الثانية، وفعلت فيهما الحرب ما فعلته، والآن لا نتذكرهما إلا من خلال الإتقان في كل شيء، وعدم قبول أي منتج لا يطابق المواصفات المعيارية، ومن ذلك أيضًا ردّ الأسواق الأوروبية الكثير من المنتجات الزراعية الملوثة بالمبيدات الحشرية، والصناعات التي نسميها “خاش باش”، أو غير المطابقة للمواصفات، حفاظًا على نسق عال من الجودة ولو دُفعت فيها أموال أعلى.
والمؤلم أنّ الكثير منّا إذا ما سمع عن دولة، أو شركة، أو فرد، لا يقبل إلا بالحدود العليا من الخدمات، أو السلع، فإنه يقوم بترديد عبارات من قبيل: أين يظن نفسه عائشًا؟ في السويد؟!.. نعم، ولم لا نعيش كالسويد مثلًا؟!
إذا كان التطور لا حدّ له، فالتراجع لا حدّ له أيضًا، والتراجع يبدأ من التهاون والتفريط وعدم التدقيق، إذ الدقة علامة وعي متقدمة في المجتمعات، فالمجتمع الذي لا يدقق ولا يطلب الإتقان في كل شيء، يستحق ما يلقاه.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .