العدد 6219
الجمعة 24 أكتوبر 2025
أعطوا الفكرة فرصة
الجمعة 24 أكتوبر 2025

كتبتُ أكثر من مقال منذ أن بدأت الكتابة في “البلاد” خلال السنوات العشر الماضية عن فكرةٍ أراها بسيطة في مضمونها، لكنها كبيرة في أثرها، وهي استغلال حالة الطقس المعتدلة في البحرين من شهر نوفمبر إلى أبريل، مطالباً بضرورة تنظيم فعاليات ترفيهية وثقافية في الهواء الطلق، تكون موجهة لجميع فئات المجتمع دون استثناء، فخلال هذه الأشهر، تتحول أجواء البحرين إلى لوحةٍ طبيعية جميلة، تهيئ للناس الخروج من منازلهم، والمشي في الحدائق والمماشي، وقضاء أوقات عائلية هادئة وممتعة. هذه الفترة تمثل موسماً مثالياً للترفيه الشعبي، وفرصة حقيقية لإحياء الفنون البحرينية التقليدية التي بدأت تتراجع أمام موجة العروض التجارية والمهرجانات المكلفة.

الفكرة التي أكرر طرحها اليوم، هي أن تقوم الجهات المعنية – سواء هيئة البحرين للثقافة والآثار أو وزارة السياحة، بتنظيم فعاليات أسبوعية في مختلف مناطق البحرين، بحيث تُوجّه الدعوة إلى الفرق الشعبية المحلية لتقديم عروضها في الحدائق العامة والمماشي المفتوحة، ولا تحتاج هذه الفعاليات إلى تجهيزات كبيرة أو ميزانيات ضخمة، بل إلى تنظيم بسيط وإرادة جادة لإحياء البهجة في نفوس الناس. فهناك فئة من المواطنين والمقيمين لا تستطيع حضور الحفلات الغنائية الكبرى التي تُقام بتذاكر مرتفعة السعر، كما أن هذا النوع من الحفلات قد لا يتناسب مع اهتماماتهم أو نمط حياتهم. لكن هؤلاء يجدون في العروض الشعبية، كالعرضة والفجري والليوة والأهازيج القديمة، بل حتى دعوة الموسيقيين البحرينيين الذين يتمتعون بمواهب فنية موسيقية متميزة على مختلف الأجهزة الموسيقية، ما يلامس ذاكرتهم ووجدانهم، ويشعرهم بالانتماء للهوية البحرينية الأصيلة.

إن مثل هذه المبادرات لا تحقق المتعة فحسب، بل تخلق أيضًا حراكًا اقتصاديًا يعود بالنفع على الفرق الشعبية، وعلى الباعة الذين يقدّمون المأكولات والمشروبات في تلك المواقع، وكذلك على المشاريع الصغيرة أو الأسر المنتجة التي تعتمد على التجمعات العامة. 

من وجهة نظري المتواضعة هذه المبادرة تعد دورة حياة مجتمعية واقتصادية بسيطة ولكنها فعّالة، تُسهم في تنشيط الحركة داخل المناطق، وتُعيد روح التواصل بين الناس بعد أن فرّقتهم المشاغل اليومية وأجهزة الهواتف.

لدينا تجارب ناجحة أثبتت أن الترفيه الشعبي البسيط يجمع الناس أكثر من العروض الضخمة.

فعلى سبيل المثال، ليالي المحرق التي تنظمها هيئة الثقافة والآثار تحظى بإقبال كبير من العائلات البحرينية والمقيمين وحتى زوار دول مجلس التعاون، لأنها تمزج بين الفن والتراث والمكان الجميل. وكذلك فعالية ريترو المنامة التي نظمتها وزارة السياحة كانت نموذجًا راقيًا لما يمكن أن ينجح حين تكون النية خالصة لإسعاد الناس.

هذه التجارب الناجحة يجب ألا تبقى محصورة في نطاق جغرافي محدود، بل يمكن أن تُعمم على جميع المحافظات.

فنحن لا نريد موسماً واحداً للفرح، بل ثقافة مستمرة للترفيه الهادف الذي يجمع الأسرة البحرينية ويعزز روح الانتماء، ويمنح الزوار والسياح تجربة بحرينية أصيلة تظل في ذاكرتهم.
أكرر طلبي، وأكرره عن قناعة وتجربة: أعطوا الفكرة فرصة.

البحرين تحتاج إلى أجواء ترفيهية في الهواء الطلق، لا تكلّف الكثير، لكنها تمنح الجميع شعورًا بالانتماء والفرح. ولن نخسر شيئا إذا جعلنا من فصل الشتاء موسماً دائماً للسعادة.
الخلاصة... من الجميل أن فرص الترفيه والمتعة توحّد الناس وتقرّبهم من وطنهم ومن بعضهم البعض في مجتمع آمن يسوده الحب والخير والألفة. ما رأيكم.

*كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .