العدد 6213
السبت 18 أكتوبر 2025
روح القانون زهير توفيقي
زهير توفيقي
من المسؤول عن موت حسن؟
السبت 18 أكتوبر 2025

لم يكن صباح الطفل حسن المحاري مختلفًا عن الصباحات الأخرى، حين استقل الحافلة الصغيرة التي تقله يوميًا إلى الروضة، بابتسامة غافية على وجهٍ لم يعرف بعدُ قسوة العالم، لكن الحافلة التي كان يُفترض أن تعيده إلى أحضان والديه، عادت خالية إلا من صمته الأبدي. مأساة موت حسن داخل مركبة مغلقة في حرّ النهار ليست حادثًا عابرًا، بل جرس إنذار مدوٍّ يعكس خللًا في منظومة كاملة، تبدأ من الإهمال وتنتهي بانعدام الرقابة. كان من واجب إدارة الروضة أن تتحقق من وصول جميع الأطفال صباحًا ومغادرتهم ظهراً. فهل راجعت قوائم الحضور؟ وهل تساءلت المعلمة عن غياب أحد تلاميذها الصغار؟ لو وُجدت منظومة بسيطة لتتبع الحضور والانصراف، لربما تم اكتشاف غيابه في ساعاته الأولى، قبل أن يخنقه الهواء الساخن داخل المركبة.

البيان الرسمي أشار إلى أن المركبة التي نقلته غير مخصّصة لنقل الطلبة، وهذه وحدها جريمة مكتملة الأركان. فكيف سُمح باستخدام مركبة غير مرخّصة لنقل أطفال؟ وأين الجهة التي يُفترض أن تراقب هذه الأنشطة وتمنعها؟ إن السماح أو التغاضي عن مثل هذه الممارسات استهتار بأرواح الأبرياء، لا يقلّ خطورة عن الفعل نفسه.

أما السائقة، فهي آخر من رآه حيًّا. لم تكن مجرد ناقلة، بل كانت مؤتمنة على أرواح صغيرة. وكان عليها أن تتأكد من خلوّ الحافلة قبل مغادرتها، كما تفعل المدارس النظامية. فالتفقد البصري السريع بعد إنزال الأطفال إجراء بسيط، لكنه يفصل بين الحياة والموت. والإهمال هنا ليس خطأً عابرًا، بل سلوك قاتل.

ولا يمكن إعفاء الأسرة من قدر يسير من المسؤولية؛ فالثقة مطلوبة، لكنها لا تُغني عن التثبّت. على كل والد ووالدة أن يتحققا من وسيلة النقل قبل تسليم أطفالهما، وأن يتأكدا من ترخيصها وسلامتها والسائق الذي يقودها، فسلامة الأبناء لا تحتمل المجازفة مهما كانت النوايا طيبة.

ويبقى السؤال موجَّهًا إلى الإدارة العامة للمرور والجهات الرقابية: إن لم تُراقَب وسائل النقل الخاصة بالأطفال، فمتى تُراقَب؟ المطلوب ليس بيانات تعاطف، بل إجراءات ملموسة وتشريعات صارمة تضمن ألا تتكرر هذه الفاجعة. المطلوب هنا اتخاذ قرار صارم تجاه مالك الحافلة الذي لم يلتزم بالقانون، وكذلك السائقة التي تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية وبسبب أيضاً علمها بأن الحافلة غير مرخصة.

ما حدث لحسن يجب ألا يُطوى كخبر عابر، بل كدرس يوقظ ضمير المجتمع بأسره. نحن بحاجة إلى إصلاح فعلي يمنع استخدام أية مركبة غير مرخّصة في نقل الطلبة، ويُلزم المدارس بنظام إلكتروني للحضور والانصراف، ويفرض تدريبًا للسائقين والمشرفين على إجراءات السلامة، إضافة إلى تركيب أجهزة استشعار في الحافلات تكشف عن وجود أي طفل بعد إغلاقها. فكل إجراء يُتَّخذ اليوم قد ينقذ روحًا غدًا.

الخلاصة... حسن لم يمت وحيدًا، بل مات معه يقيننا بأن أبناءنا في أيدٍ آمنة. رحل الصغير، لكن رحيله يجب أن يكون آخر ما يُسكب من دموع على عتبة الإهمال. فلنجعل من قضيته نقطة تحوّل نحو مجتمعٍ يحترم القانون، لأنه يحمي الحياة.

لا نريد ردود فعل آنية أو وقتية كردة فعل للمشكلة فحسب، بل قوانين وتشريعات جديدة وصارمة.

قال تعالى “الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون”.

 

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية