لماذا الآن وقد مضى على زوال الخطر أكثر من عامين؟ لماذا الآن وحصار كورونا قد تفككت متاريسه، وتحللت قضبانه، وأصبح في طي النسيان؟
رئيس مجلس إدارة دار البلاد للصحافة والنشر والوزير الأسبق للدولة والشؤون الاجتماعية السيد عبدالنبي الشعلة، كان أول من يحمل الإجابة، بل أول من يطرح السؤال. أما الإجابة، فلم تخرج من سبب جوهري بسيط في هيكله، عميق في أغواره، ألا وهو “حتى لا ننسى”، نعم.. حتى لا ننسى ما حدث، وحتى لا نترك الدروس المستفادة وهي ذاهبة إلى غير رجعة مع الريح. “أما قبل” – تعني البداية، ما الذي كان يسود العالم قبل الجائحة؟ و”أما بعد” – ماذا استفدنا من الدرس القاسي، وما الذي خرجنا به من التجربة المرعبة المريرة؟
أما قبل، حيث كان العالم يمر بأزمات إنسانية، وجوائح اجتماعية، وخلافات آيديولوجية، العالم كان يشهد إرهاصات حرب روسيا وأوكرانيا، بدايات لا أحد يتوقع لماذا، وكيف، وإلى أين، ونهايات لا أحد يدرك اللون الذي سوف ترسمه العدالة الإلهية لنطلق عليه خط النهاية، اقتصاد ما قبل البداية كان يؤشر لصراع أميركي صيني، وركود متقلب الملامح، سليط المُحيّا، أسعار ذهب تتنمر على جيوب المستهلكين، تتراوح ما بين 1500 – 1700 دولار للأوقية، المعادن والمواد النادرة دخلت الحرب التجارية بين دول العالم المتقدم، فهي بيت القصيد في الصراع على “المستعمرات المحتملة” تايوان وأوكرانيا، بعد أن بدأ المخزون الروسي الأميركي في النفاد نظرًا لاستخدام هذه المواد في ما يسمى بـ “السليكون تشيب”، بضربة واحدة تجاوزنا مرحلة أما قبل، وبجرة قلم أعلنت الفضائيات ظهور فيروس غامض “قد يكون قاتلاً” في مدينة “يوهان” الصينية، التي تضم أكبر تجمع للطلبة الدارسين في العالم.
في البداية، وبعد “أما قبل”، لم يتوقع أحد أن يخرج الفيروس الغامض من معمل التجارب ليصيب الإنسان، ولم يتصور أكثر الناس تشاؤمًا أن يصبح هذا الإنسان هو “العائل الناقل للمرض”، من وإلى، هنا بدأ التوجس يسود، وبدأ عمالقة نشرات الأخبار يتلصصون على الحدث، يا ترى يا هل ترى.. من أين جاء هذا؟ منظمة الصحة العالمية “لا تنطق سوى بالصمت”، والوزارات المعنية بالصحة العامة في الدول المتقدمة بدت وقد اعتلاها “التحفظ”، بل إنها كانت تتهرب من أسئلة الصحافيين المزعجة، بالتحديد عندما كان يتقدم هذه الأسئلة، ماذا يحدث في يوهان الصينية الآن؟
انتهت “أما قبل” وبدأنا في الدخول إلى عام 2020 الذي يحمل عنوان عام لا يُنسى في الفصل الأول من كتاب المفكر الشعلة، عام لا يُنسى لأنه سرعان ما أجاب الفيروس اللعين عن نفسه، لقد تحول بقدرة قادر من وباء إلى جائحة، أي من مرض خطير محصور في مدينة أو قرية أو دولة إلى مرض قاتل لا تعوقه حدود، ولا تتوقف عنده موانع، ولا تمنعه أجواء، انتشر الفيروس اللعين كما النار في الهشيم، ساد العالم وسيطر على الكون وامتلأت الأرض المباركة بالقتلى والمصابين، بالضحايا والمشردين، لا دواء ولا وقاية، ولا وسيلة إنقاذ.
العالم يقف وعلى رأسه الطير، من أين جاء هذا؟ وإلى أين المصير؟ السؤال أخطر من خطير، وأكثر من كثير، ويُفضي إلى علامات استفهام عاجزة، وموانع طبيعية حاجزة، هكذا كانت الحال، وهكذا يصورها الفصل الثاني من الكتاب وكأننا أمام الطوفان العظيم، لكن لا سفينة نوح يمكن إعادة تشغيلها، ولا الخارجون عن السياقات جميعها يمكنهم انتشال العالم من محنته.
تم الإعلان، وأنجزت الدول ما يسمى بالتباعد، توقفت حركة السفر وتفرقت السبل بالإنسانية جمعاء، في إسبانيا وإيطاليا كانوا يضحون بكبار السن، ويؤخرون علاجهم المقترح حتى يتم إنقاذ الشباب أولاً، إجراءات وقائية جامحة ربما يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
2020 عام لا يُنسى، لأنه ضرب الاستقرار النفسي في مقتل، وأشاع الفوضى ما بين أفراد العائلة الواحدة فتفكك المجتمع، ولم يتمكن الأهل أو الأقارب من دفن ضحايا الفيروس اللعين.
في البدء – أي ما بعد – أما قبل، تصور العالم أن الفيروس لعنته إلهية نقلتها حيوانات صينية طائرة تسمى بالخفافيش، ومن وراء الكواليس كان الحديث مفعمًا بتبادل الاتهامات بين الطرفين الأكثر قدرة على إجراء التجارب الفيروسية الفتاكة وهي الولايات المتحدة الأميركية والصين، الطرفان يتبادلان التراشق بالكلام، والطرفان يشيران بالأصابع اللعينة إلى بعضهما، ويؤشران باتجاه معمل تجارب من هنا، وآخر من هناك، والعِلم عند الله. يتبع..
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية