لم تكن مفاجأة تلك التي زفتها إلينا مؤسسة “كيو إس” العالمية لتصنيف الجامعات وهي تضع ست جامعات بحرينية ضمن قائمة الأفضل عربيًا، وقبلها بأيام دخلت جامعة البحرين - وهي جامعتنا الوطنية - ضمن تصنيفات “التايمز” العالمية لأول مرة منذ إنشائها، ولم تكن تلك البشرى السارة مفاجأة لأني أعرف المدى الذي قطعته جامعاتنا بعد أن كانت ثلاث جامعات فقط هي المدرجة ضمن قائمة الأفضل في السابق. أعرف مقدار الجهد الذي تبذله جامعاتنا في مملكة البحرين لكي تكون الأفضل بعون الله على مستوى العالم، وأدرك تمام الإدراك بل وأُثمِّن الإجراءات التي اتخذتها حكومة مملكة البحرين في سبيل أن تكون جامعاتنا بمثابة القبلة المفضلة للطالب البحريني، والوافد من أي مكان في العالم لكي يتلقى دروسه في جامعاتنا، باعتبار أن المملكة هي المكان المتميز للتعليم المتقدم في المنطقة، بل أن خريجينا أصبحوا يتمتعون بالمهارة والكفاءة التي تؤهلهم للالتحاق بأسواق العمل محليًا وعربيًا ودوليًا.
ولعل المواكبة المتقدمة التي حققتها الجامعات البحرينية خلال فترة وجيزة في مجال جودة التعليم، والبحث العلمي، والتدريب المتقدم الذي يضاهي نظيره في الجامعات العالمية المتميزة، قد ساهمت في وضع جامعاتنا بتلك المكانة المتقدمة وفقًا لـ “كيو إس” العالمية و “التايمز” البريطانية، والعديد من التصنيفات الأمريكية والأوروبية، حتى أصبحت الجامعة الأهلية على سبيل المثال من بين الجامعات القلائل التي حازت الاعتراف الأكاديمي في برامج أكاديمية عديدة منها تكنولوجيا المعلومات، وإدارة الأعمال، وغيرها من البرامج التي أصبحت “الأهلية” رائدة فيها على مستوى العالم وليس على مستوى المنطقة فحسب.
إن التعليم العالي أصبح خلال الألفية الجديدة بمثابة الظهير الحضاري الذي يساهم في تقدم الأمم، وفي رقي شعوبها، وفي نهضة كياناتها ومؤسساتها، واقتصاداتها ومعارفها، ووضعها بين الشعوب الأخرى.
إن تقييم “كيو إس” العالمية بوضعها ست جامعات بحرينية على منصة الإجازة إنما يعكس اهتمام الدولة بالتعليم، ويؤكد مدى حرصها على أن تكون المعرفة هي فارس المرحلة الأولى بالرعاية والعناية والدعم، وأن تكون هذه المعرفة بمثابة صناعة متقدمة لها الأولوية في الاهتمام، والأسبقية في المراعاة، والتتبع في الأداء.
ونحمد الله ونشكر فضله أنه بفضل ذلك التناغم المثير بين أجهزة الدولة، ممثلة في الحكومة الموقرة ووزارة التربية والتعليم ومجلس التعليم العالي وهيئة ضمان جودة التعليم والتدريب والجامعات، قد تمكنّا من العمل باستقلالية وانسيابية ومسؤولية، واضعين في الاعتبار أن مستقبل بلادنا يحققه ويرتقي به تعليم راقٍ، ومناهج مواكبة، وبحث علمي يراعي أوضاع مؤسساتنا ويسعى للارتقاء بها، ويخصص تلك البحوث بأن تكون ذراعًا حاسمة في مواجهة مشكلات التنمية، وإيجاد حلول عاجلة لها، بل أن يتم توجيه هذه البحوث لتصبح ضمن الاستراتيجية المستقبلية للمملكة ورؤيتها للعامين 2030 - 2050؛ حتى يتحقق لنا دوام الاستقرار التنموي والاستدامة في مختلف الأنشطة الإنتاجية، وتلك المعاونة لها في قطاعات الخدمات الصحية والسياحية والتعليمية بمختلف مراحلها وعلى قدر تعددها وتنوعها وترامي أطرافها.
وإذا كان للتاريخ دور في تلك المكانة التي بلغتها جامعاتنا الحكومية والخاصة، فأعتقد أن أكثر من قرن زمني هو عمر التعليم النظامي في مملكتنا الحبيبة كفيل بأن يكسِبَنا الخبرة الطويلة والتراتبية المستحقة لكي نكون في طليعة الأمم التي تقدمت معرفيًا وتطورت علميًا، وأصبحت في معترك الرهان على المستقبل بمثابة الفارس الأقوى في سباق صناعة المعرفة وتقنين التقنية، بحيث تصبح حقًا مستحقًا لكل مواطن، وقوة دفع ذاتية تحرص على توجيهه، وتوفر له الأجواء الملائمة لتحصيل أرقى المعارف واستنهاض أرقى التقنيات، بأن يتم إنتاجها وتوطينها في بلادنا بدلًا من استيرادها واستهلاكها ومن ثم النأي بها بعيدًا عن ثقافتنا وعلومنا.
“ألف مبروك” لجامعتنا، وقبل هذا وذاك لمليكنا المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي أعرف جيدًا كم هو حرص جلالته على المواطن، وكم هي اهتماماته بأن تحصل أجيالنا الطالعة على أرقى تعليم، ثم كم كان حرص ولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد، وفقه الله، في أن يكون المواطن البحريني هو الخيار المفضل في التوظيف لدى القطاع الخاص من خلال تعليم راقٍ وضعه سموه في مشاريعه الإصلاحية الثلاثة لسوق العمل والتعليم والاقتصاد، وذلك بترجمة مخلصة ودقيقة لما جاء في المشروع الإصلاحي الكبير لحضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم، هي ما نراه اليوم من تقدم ورفعة ليس في مجال التعليم فحسب، إنما في المجالات التنموية الأخرى أيضًا.
* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية