العدد 6200
الأحد 05 أكتوبر 2025
التهيئة النوعية!
الأحد 05 أكتوبر 2025

مع مطلع كل عام جامعي جديد، نعد العدة لما نطلق عليه أكاديميا بـ “أسابيع التهيئة” التي نستهل بها كل فصل دراسي، وكل مرحلة علمية من مراحل التعليم العالي المستمر، ومع مطلع كل فصل نعقد اجتماعات موسعة مع الطلبة ربما في جميع الكليات، اجتماعات يشارك فيها أساتذة المادة المعنية وعميد البرنامج المستهدف، أو الكلية التي نكون بصدد تهيئة طلابها، ثم الهيئة الإدارية للجامعة بل والمشتغلين بالتخصص المعني وهؤلاء المرتبطين في أعمالهم به.

هذه السنة سبقت التهيئة أحداث مهمة، أهمها دخول مناهج جديدة وبرامج على خط التخصصات المتوافرة، ومنها ذلك التوسع الذي شهدته الجامعة الأهلية على سبيل المثال في برامجها الخاصة بالكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وتلك المرتبطة بالبحث العلمي والتطبيقات المرتبطة به، وتلك التي تحاكي تناغما لم يسبق له مثيل بين معملية المنهج ونظريته الأم، أو بين النظرية مثلما جاء بها كبار العلماء وضرورة إلحاقها بمعامل التجارب حتى تتأكد سلامة المعرفة، ووسيلة نقلها إلى الطلاب ليس في الكليات العملية فحسب، إنما في الكليات والتخصصات النظرية أيضا.

بدأنا فصل دراسي للعام 2025 - 2026 ونحن على أهبة الاستعداد لكي نجعل من التعليم الجامعي محطة علمية تحمل رسالة، ورسالة أكاديمية تؤرقها هموم المجتمع ومشكلاته اليومية، لأول مرة ربما نحاول الربط بين البحث العلمي بمفهومه المطلق كمنهج، وخطوات، وخلاصات، وتوصيات نهائية، وذلك البحث المرتبط عضويا بتجارب عملية تحوله من مجرد حلم خارج السياقات الإنسانية العامة، إلى شراكة مع واقع يعاني من المشكلات، ومع ديمومة حياة بها ما بها من قضايا مؤرقة، ولها ما لها من محاولات لتحقيق الخلاص من معضلة معرقلة، أو مرض مزمن، أو آفة آن أوان التخلص منها أو القضاء عليها.

التهيئة المعملية جزء لا يتجزأ من التهيئة النظرية، أيهما أو كلاهما يأتيان بمثابة القاطرة لكل العلوم والفنون والآداب التي نكتشف من خلالها أننا مازلنا في بداية طريق المعرفة، وأن بحر العِلم لغزير وعميق، بل أن التيارات المعاكسة تمثل تحديا واضحا لكيفية النهوض بالعقل الأكاديمي حتى يتمكن من محاكاة جذور الأصالة وثوابتها، وبريق المعاصرة وأولوياتها، هنا تكمن الحاجة لكي نصل بالمعرفة إلى المكانة المناسبة في عقل المتلقي، ذلك المتلقي الذي قد نهمله في غفلة من التركيز العميق، وفي غيبة من اليقظة المستدامة التي تهيئ لهذا المتلقي واقعا علميا مقبولا على مستوى الذهنية المتطورة، وتلك التي تحتاج إلى مزيد من التدريب والإعداد والتجهيز حتى نستطيع استيعاب موسم التهيئة، وصولا إلى فصل دراسي نسعى فيه بكل ما أوتينا من إمكانات ومهارات، وابتكارات وبحوث وبرامج جديدة، لكي نضع الطالب على كرسيه المفضل وهو قادر على الاستيعاب والإجادة والتعاطي مع مختلف صنوف المعرفة.

من هنا كان لابد من استهلال الفصل الدراسي الجديد بما يسمى بالتهيئة النوعية، وتلك التي تحاكي مختلف صنوف العلاقات ذات الصلة بالمنهج الذي بدأنا في التعامل معه بكل كفاءة واقتدار ورغبة في التحصيل والتطوير وتنمية الذكاء الفطري.

إن دخول الإنسان على خط الآلة، والعكس، قد يضعنا أمام التحدي الكبير في مواجهة التكنولوجيا الفارقة بدلا من الاستعانة بها، صحيح أن أدوات وآليات التفاهم مع “الرقمية” بمفهومها الواسع قد يقود إلى عوالم افتراضية بحتة، وبالتالي إلى علوم أكثر إفصاحا ورفضا للواقع، والصحيح أن القدرات الذهنية التي وهبها الله للإنسان هي مصممة لاستيعاب أصعب وأدق تفاصيل العلوم وأكثرها قدرة على التحول من وإلى، لكن الأكيد أن ذلك التناغم بين ثورة الحداثة وتراتبية الأفكار لدى العقل البشري، جميعها أو بعضها أصبح من الأهمية بمكان بحيث يتطلب تسهيل التواصل بين القديم والمعاصر، أو بين الرقمي الافتراضي وذلك الحقيقي المؤكد، وهنا تكمن كلمة السر، ويكمن معها فك رموز شفرتها الإلكترونية - مع أو ضد؟ - ذلك هو السؤال الكبير أمام الجمع الغفير من الطلبة المنتظرين بشغف إجابات شافية، وصورا واضحة، وإحداثيات في منتهى التفاهم مع بعضها البعض، وكل عام وأنتم بخير.

* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية