العدد 6208
الإثنين 13 أكتوبر 2025
تقلبات إقليمية
الإثنين 13 أكتوبر 2025

يراقب العالم التحركات العسكرية بشكل عام، فنجد الولايات المتحدة الأمريكية تُحرّك ترسانتها العسكرية نحو الشرق الأوسط، إذ أرسلت عددًا كبيرًا من طائرات التزوّد بالوقود إلى قاعدة العديد الجوية في قطر، في عملية تُعد من أكبر وأوسع عمليات التزوّد بالوقود جوًّا في الفترة الأخيرة. تأتي هذه التطورات في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تقلباتٍ إقليمية وتخوّفًا من نشوب حرب مع إيران. وتسعى واشنطن إلى ضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ من خلال تعزيز قدراتها الجوية واللوجستية، إذ يهدف هذا الأمر إلى احتواء التهديدات المتصاعدة وضمان استقرار قواتها المنتشرة في الشرق الأوسط.

أهداف واشنطن
يعلم العالم حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تجاوز الدين العام الأمريكي 37 تريليون دولار، بزيادة هائلة تبلغ نحو 22 مليار دولار يوميًّا.
وفي عام 2024 بلغ الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا 29.18 تريليون دولار، أي أن الدَّين العام يُمثّل نحو 126.79% من الناتج المحلي. ومن اللافت أن ثلث هذا الدين يستحق سداده في عام 2026، ما يعني أن واشنطن على أبواب أزمة مالية حادّة.

فوائد الحرب لواشنطن
تستفيد أمريكا من الحروب بشكل مباشر، إذ يتزايد الطلب على الأسلحة الأمريكية في أوقات النزاعات. وفي حال شاركت الولايات المتحدة في الحرب بشكل مباشر – كما حدث في حرب العراق – فهي تستحوذ على حقول النفط لسنوات طويلة، مما يدرّ عليها أرباحًا مباشرة تعود بالفائدة على خزينة الدولة. 

الهدف من الحرب القادمة، بحسب المؤشرات، هو الاستحواذ على حقول النفط الإيرانية الواقعة في منطقة الأحواز القريبة من العراق، وبذلك تمنع واشنطن وصول النفط الإيراني إلى الصين وتحقق مكاسب اقتصادية ضخمة.
كما أن الحروب تخدم المخطط الأمريكي في التوسّع، فهي تسعى من خلالها إلى ترسيخ مكانتها في قمة الهرم العسكري، وتختبر أحدث طائراتها وصواريخها أمام العالم كما فعلت في حربي أفغانستان والعراق.
استراتيجية البيت الأبيض تقوم على مبدأ “فرّق تسُد” و”الضغط على الجميع”، إذ من خلال الحروب تُرعب الدول وتضمن ولاء الدول الصغيرة.

الاستعداد الأوروبي

تستعد الدول الأوروبية لسيناريو مرعب، إذ خصّصت بعض هذه الدول أكثر من 50% من ناتجها المحلي للإنفاق العسكري. فقد أنفقت ألمانيا وفرنسا في السنوات الأخيرة أكثر من 2.2 تريليون دولار على الدفاع.
تتابع ألمانيا التصعيد الروسي في أوكرانيا بقلق، خصوصًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي قال إن واشنطن قد تتوقف عن كونها “درعًا نوويًّا” يمكن الاعتماد عليه، وإنه سيشجع روسيا على مهاجمة الدول الأعضاء في الناتو التي لا تفي بالتزاماتها المالية.
أما فرنسا، العضو الفاعل في حلف الناتو، فقد عبّرت مرارًا وتكرارًا عن مخاوفها من تبعات الحرب الروسية – الأوكرانية، خصوصًا مع احتمال امتداد الصراع إلى الدول المجاورة، ما دفعها إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير لتعزيز قدراتها الدفاعية وقوة ردعها.
وتسعى فرنسا إلى الحفاظ على مكانتها كقوة عسكرية عالمية رائدة، خاصة بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وتطمح اليوم إلى لعب دور قيادي داخل حلف الناتو الذي يفتقر حاليًا إلى قيادة واضحة.

روسيا تُرعب أوروبا

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري بنسبة 30% ليصل إلى 13.5 تريليون روبل، أي ما يعادل 130 مليار يورو، وهو ما يُمثل 6.3% من الناتج المحلي الروسي.
من جانب آخر، حلّقت طائرات روسية مسيّرة في المجال الجوي البولندي، ما أجبر الناتو على الإسراع لاعتراضها وإسقاط بعضها. كما أجرت روسيا مناورات عسكرية مشتركة مع بيلاروسيا استخدمت فيها أسلحة متطورة.
ووفقًا للتقارير، فإن هذه المناورات عكست استعراضًا للقوة من جانب موسكو وحليفتها بيلاروسيا، إذ جرت بالقرب من الحدود البولندية بهدف محاكاة صدّ هجوم واسع واستعادة الأراضي وسحق العدو.
كما أكدت وزارة الدفاع الرومانية اختراق طائرات مسيّرة مجهولة لأجواء البلاد تزامنًا مع هجمات روسية في أوكرانيا، وأوضحت أنها أرسلت مقاتلتين من طراز “إف-16” لاعتراض المسيرات، لكنها اختفت عن الرادار فوق نهر الدانوب.

المواجهة بين الناتو وروسيا

تُعدّ المسيّرات الروسية التي اخترقت أجواء بولندا أول حادثة يتدخل فيها حلف الناتو بشكل مباشر، وأول احتكاك فعلي بين الحلف والجيش الروسي منذ الحرب العالمية الثانية.
واعتبرت الدول الأوروبية هذه الاختراقات استفزازًا خطيرًا وإنذارًا باحتمال اندلاع هجوم شامل. فالقارة الأوروبية تكتسب أهمية جيوسياسية كبيرة، والدب الروسي يطمح للسيطرة على البحر الأسود بعد ضمّه شبه جزيرة القرم.
بدوره أطلق الناتو عملية “الحارس الشرقي” التي تهدف إلى إرسال طائرات تقوم بدوريات مستمرة ضد أي توغل روسي محتمل بالطائرات المسيّرة.
وأعلن قادة الناتو أن فرنسا وألمانيا والدنمارك ستسهم في تنفيذ خطة “الحارس الشرقي”، مؤكدين التزامهم بدورهم الدفاعي تجاه دول الحلف.

الناتو يستفز روسيا

يعمل حلف الناتو على فرض منطقة حظر جوي في أوكرانيا لحماية الأهداف المدنية، بهدف توفير غطاء جوي فوق غرب البلاد. وترى روسيا أن فرض هذا الحظر بمثابة إعلان حرب شاملة، ما يعني مواجهة مباشرة بين الناتو وروسيا.

في الختام

لقد قُرعت طبول الحرب العالمية الثالثة، وتحركت الجيوش، وبدأت الدول في إعلان تحالفاتها. فكل جبهة اصطف خلفها حلفاؤها، إذ لا مكان في الحروب الكبرى للمحايدين ولا مجال فيها للضعفاء.
هذه الحروب التي أودت تاريخيًّا بحياة الملايين من البشر، لا تراعي أي حقوق للإنسان، إذ تُستخدم فيها أبشع أنواع الأسلحة المحرّمة، ليولد بعدها عالم جديد بزعامة جديدة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية