شهدت مملكة البحرين افتتاح أول حديقة عامة بها في مدينة المنامة وتقع بين “فريق البدع” و “فريق الحمام” في العام 1932م، وأطلق عليها “حديقة الباغشة”، في منطقة زراعية مهجورة بالقرب من نبع “عين الخضرة”.
لاحظت بلدية المنامة تلك المساحة المهجورة من الأرض الواسعة التي نبتت فيها الأشجار وغطى العشب الأخضر أماكن مختلفة منها، فقررت بلدية المنامة تحويلها إلى منتزه يكون متنفسًا لأبناء العاصمة المنامة وضواحيها، فوجهت حكومة البحرين السيد تشارلز بلجريف لتحويل هذه المساحة الكبيرة من الأرض إلى حديقة عامة يتم تسويرها وعرض بعض الحيوانات والطيور بها، وزراعة أشجار الورود المحلية بين أشجارها، وغطى العشب الأخضر مساحات واسعة منها، وتمت الاستفادة من “عين الخضرة” التي تقع بالقرب من الحديقة في ريها.
وجلب إلى الحديقة بعد اكتمالها بعض الحيوانات التي منها القرود والثعالب والغزلان، ودب ووعل وضبع وقنفذ وسنجاب. وأهدى صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين حينذاك، الحديقة زرافة وعددا من الطيور الجميلة التي منها الببغاء.
وأعلن افتتاح الحديقة في العام 1932م على أن تكون لجميع السكان وزوار البحرين، وأن تكون مفتوحة طوال أيام الأسبوع. وقد لوحظ إقبال شديد على الحديقة من قبل أبناء مدينة المنامة بشكل خاص وبقية أبناء المدن والقرى في مملكة البحرين بشكل عام. وأصبحت الحديقة مكتظة بالزوار وبصورة خاصة أيام الجمع والعطل على اختلافها. كما أن الكثير من أبناء دول الخليج العربية الذين كانوا يترددون على البحرين، يقومون بزيارة “حديقة الباغشة” التي أصبحت من معالم السياحة التي يهتم بها زوار البحرين. كما كانت الحديقة محببة للأطفال لزيارتها لما تحتويه من حيوانات وطيور مختلفة.
ومن بين الأسباب التي أدت إلى زيادة الإقبال على “حديقة الباغشة” قيام فرقة موسيقى الشرطة بعزف ألحان موسيقية رائعة لمدة ساعة ونصف مساء يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. وكان أبناء البحرين رجالًا ونساء من مختلف مناطق البحرين يترقبون بشوق يومي الاثنين والخميس لزيارة الحديقة التي كانت تزدحم بهم للاستمتاع بسماع موسيقى فرقة الشرطة تشنف آذانهم.
وزادت شهرة الحديقة عندما أقيم فيها حفل استقبال بمناسبة زيارة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، إلى البحرين في العام 1939م. وقد نظم الحفل من قبل بلديتي المنامة والمحرق، وحضره جمع غفير من المدعوين وفي مقدمتهم صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين حينذاك، وبعض أفراد الأسرة وكبار رجالات الدولة.
وشهدت الحديقة أثناء الحرب العالمية الثانية، التي استمرت من العام 1939م إلى العام 1945م، نشاطًا فريدًا من نوعه تمثل في قيام مكتب الاستعلامات البريطاني في المنامة بعرض أفلام عن الحرب الدائرة بين الحلفاء ودول المحور في كل ليلة؛ الأمر الذي أدى إلى تجمع الكثير من أبناء البحرين لمشاهدة تلك الأفلام للتعرف على مستجدات الحرب الدائرة رحاها بين دول المحور المتمثلة في ألمانيا وإيطاليا واليابان، ودول الحلفاء المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والاتحاد السوفييتي، وذلك بصورة رئيسة حيث انضمت بعض الدول الأخرى إلى المحورين.
وأغلقت بلدية المنامة “حديقة الباغشة” في العام 1946م، فطالب الأهالي بإعادة افتتاحها، ولم يكن لبلدية المنامة من خيار، فأمرت بافتتاحها من جديد واستمرت حتى العام 1951م الذي اتخذت فيه بلدية المنامة قرارًا نهائيًا بإزالتها بسبب التوسع العمراني من جهة وإعادة تخطيط الشوارع من جهة أخرى. وكان من نتيجة ذلك فتح شارع مجاور لها شيدت على جانبه مبانٍ حكومية، واستخدم جزء من تلك الأراضي كموقف للحمير، واستخدم الجزء المتبقي لبناء مدرسة فاطمة الزهراء الابتدائية للبنات. كما استخدم جزء من الأرض لسكن المعلمات الوافدات من مصر وبلاد الشام.
* باحث ومؤرخ بحريني