العدد 6184
الجمعة 19 سبتمبر 2025
الحريات الشخصية... بين قناعات الفرد وهيمنة الجماعة
الجمعة 19 سبتمبر 2025

في كل مجتمع، هناك هامش من الحريات الشخصية لا تستقيم الحياة من دونه، ولا يمكن لأية منظومة أخلاقية أو دينية أو قانونية أن تكتمل إن لم تحترم هذا الهامش. فالفرد ليس صورة طبق الأصل من غيره، بل هو مزيج من الأفكار والقناعات والسلوكيات التي تشكّلت عبر مسيرة حياة متفردة. فكل فرد مسؤول عن تصرفاته وسلوكياته بحسب قناعته الشخصية شريطة أن يحترم الآخرين. لكن المؤسف أن البعض، رغم ما بلغوه من تعليم رفيع ومواقع ومراكز قيادية، فإنهم مازالوا يظنون أن من حقهم مصادرة هذا الحق، وفرض نمطهم ومعتقداتهم الخاصة على الآخرين، بدعوى “الالتزام الديني” أو “الحرص على الصواب”. في أسفار جماعية أو تجمعات كبيرة، ترى من يظن أن ما يراه صائبًا هو الحق وحده، وما عداه باطل يستحق الإلغاء أو الامتعاض. والسبب أنه في الأسفار ومع جماعات لا تعرف ميولهم الدينية، فإن ذلك ليس غريبا، حينها تدرك الفكر المتشدد الذي يحملونه! وحينها ينكشف المستور ويظهرون على حقيقتهم.

هؤلاء لا يكتفون بتطبيق ما يؤمنون به على أنفسهم، بل يسعون – بصوت مرتفع أو ضغط خفي – لفرضه على الجميع، دون اعتبار لاختلاف القناعات أو ظروف الآخرين. والأسوأ أنهم يتعاملون مع المختلفين عنهم وكأنهم أهل ضلالة، أو من ذوي النوايا السيئة، متناسين أن الأخلاق، والنية الطيبة، والتعامل الراقي، كلها من جوهر الدين الذي يتحدثون باسمه.

المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء لا يطبقون في حياتهم اليومية أبسط القيم التي يدعون إليها، لا أمانة في القول أو الفعل، ولا عدالة في التعامل مع الناس، وربما لا تَورّع عن الغيبة والتصنيف والأذى المعنوي، ولا حتى النظافة! ومع ذلك، فهم أول من ينصب نفسه وصيًا على “الصحيح” و”الخطأ”، بل ويغضب من مجرد وجود من يختلف معه، وكأن التنوّع خطر ينبغي استئصاله! في المقابل، التناقض الذي يمارسونه في حياتهم اليومية يعتبرونها من الأمور الطبيعية!. 

إن تطبيق الدين لا يكون بتشددٍ في الشكل والمظهر وتجاهل للجوهر، ولا بتضييق على الناس فيما أحلّه الله لهم. فالدين الذي لا يُترجم إلى رحمة وتفهّم وتسامح، يتحوّل إلى أداة للنفور لا للهداية، وإلى جدار فاصل بين الناس بدل أن يكون جسرًا للتواصل والمحبة.

لا شك أن الحرية الشخصية لا تعني الفوضى، وأن التدين لا يعني الوصاية. وما أجمل أن نؤمن بشيء ونطبقه على أنفسنا، دون أن نظن أن الآخرين خُلقوا ليكونوا نُسخًا منا. فالله سبحانه وتعالى خلق الناس شعوبًا وقبائل، واختلافهم آية لا خطيئة.

قال تعالى “ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.

ختامًا، ما نحتاجه اليوم ليس أكثر تدينًا متشدّدًا، بل إنسانية متسامحة... تفرح باختلاف الآخر، وتُحسن الظن به، وتترك لله وحده الحكم عليهم. هل وصلت الرسالة؟.

 

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .