قوانين مشددة.. ورسوم مرتفعة
تحقيق "البلاد": مشروبات الطاقة.. عبوات موت في متناول الجميع
-
878 ألف دينار واردات مشروبات الطاقة للبحرين في النصف الأول من 2025
-
حادث وفاة فتى بحريني يدق ناقوس الخطر
-
دراسة: 16 % من شباب البحرين يستهلكون مشروبات الطاقة.. و20 % منهم يوميًا
-
قوانين وحظر وضرائب 100 %.. والعبوات ما زالت تغزو الأسواق
-
حجم التجزئة العالمي لمشروبات الطاقة وصل إلى حوالي 8.2 مليار لتر في 2022
-
79.39 مليار دولار قيمة السوق العالمي لمشروبات الطاقة في 2024
فتحت حادثة وفاة فتى بحريني يبلغ من العمر 16 ربيعًا الباب واسعًا على طبيعة الإجراءات والتشريعات المنظمة لبيع وتداول مشروبات الطاقة، التي باتت بمثابة “عبوات موت” في متناول الجميع. فهذه المشروبات متوافرة في معظم الأسواق والبقالات بمختلف أحجامها وأصنافها، وسط صعوبة رقابية على عمليات البيع خصوصًا للقُصَّر، وهو ما جسّدته المأساة الأخيرة التي صدمت المجتمع البحريني.
الإطار التشريعي
أصدرت وزارة الصحة البحرينية في عام 2021 قرارًا وزاريًا يقضي بمنع بيع مشروبات الطاقة لمن هم دون 18 عامًا، وكذلك للنساء الحوامل والمرضعات.
القرار شمل أيضًا منع بيعها في المقاصف والمطاعم داخل المؤسسات الحكومية والتعليمية والصحية، إلى جانب حظر توزيعها مجانًا أو الترويج لها بأي وسيلة إعلامية.
كما ألزم القرار الشركات المستوردة بوضع ملصقات تحذيرية واضحة باللغتين العربية والإنجليزية، تتضمن قائمة بالفئات الممنوعة من الاستهلاك مثل الأطفال، الحوامل، مرضى القلب والسكري، ومن يعانون من حساسية الكافيين. هذه الإجراءات تعكس إدراكًا رسميًا متزايدًا بالمخاطر الصحية المرتبطة بهذه المشروبات، لكن حادثة وفاة الفتى البحريني أعادت طرح السؤال حول فعالية الرقابة ومدى الالتزام الفعلي بهذه اللوائح.

الضرائب والرسوم
اقتصاديًا، تفرض البحرين ضريبة انتقائية بنسبة 100 % على مشروبات الطاقة منذ ديسمبر 2017، ضمن اتفاق خليجي موحّد يهدف إلى تقليل الاستهلاك ورفد الخزينة بإيرادات إضافية.
وتشمل الضريبة أيضًا التبغ (100 %) والمشروبات الغازية (50 %)..
هذه الضريبة أدت إلى تضاعف أسعار العبوات للمستهلك البحريني، لكنها لم تمنع استمرار الطلب، خصوصًا من فئة الشباب الذين يعتبرونها جزءًا من أسلوب حياتهم اليومي.
أرقام مقلقة
تشير أحدث إحصاءات التجارة الخارجية للبحرين إلى أن واردات مشروبات الطاقة بلغت 878,353.712 دينارا بحريني في الفترة من يناير حتى 7 يوليو 2025. ومع استمرار وتيرة الاستيراد بهذا المعدل، فمن المتوقع أن يتجاوز إجمالي الواردات السنوية حاجز المليون دينار بحريني.
وتؤكد دراسة لجامعة البحرين عام 2019 أن نحو 16 % من البحرينيين – معظمهم من فئة الشباب بين 15 و24 عامًا – يتناولون مشروبات الطاقة بانتظام، فيما يستهلك نحو 20 % من هذه الفئة المشروبات بشكل يومي، وهو معدل يثير القلق الصحي والاجتماعي.
خليجيًا وعالميًا
على المستوى الخليجي فقد منعت السعودية بيع مشروبات الطاقة في المرافق التعليمية والصحية وحظرت الإعلانات عنها منذ 2014.
أما الإمارات وقطر وعُمان فقد تبنّت تشريعات متقاربة.
أما الكويت، فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تطبق بعد الضريبة الانتقائية على هذه المشروبات.
عالميًا، تفاوتت الإجراءات بين التشدد والتراخي.
ففي أوروبا، اتخذت ليتوانيا قرارًا تاريخيًا عام 2014 بحظر بيع مشروبات الطاقة للقُصَّر تحت 18 عامًا.
كما تسعى دول مثل النرويج والسويد لوضع قيود مشابهة.
أما في الولايات المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، فما تزال المشروبات متاحة في الأسواق، مع الاكتفاء بتحذيرات صحية عامة دون حظر صريح.
المخاطر الصحية
حذرت منظمة الصحة العالمية (WHO) من أن انتشار مشروبات الطاقة قد يشكل “مشكلة صحة عامة خطيرة”، مشيرة إلى مخاطرها على القلب وضغط الدم، فضلًا عن آثارها عند مزجها بالكحول أو استهلاكها أثناء النشاط الرياضي.
كما أكدت الجمعية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) أنه لا مكان للكافيين والمنبهات في غذاء الأطفال والمراهقين، داعية إلى الامتناع الكامل عن استهلاكها في هذه الفئة العمرية.
وتُجمع الأبحاث على أن الإفراط في استهلاك هذه المشروبات قد يؤدي إلى اضطرابات في النوم، القلق، الإدمان على الكافيين، وأحيانًا مضاعفات قلبية قد تفضي إلى الموت المفاجئ.
آثار مميتة
حسب تقرير Grand View Research، بلغت قيمة السوق العالمي لمشروبات الطاقة حوالي 79.39 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 125.11 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) قدره 8.0 ٪ من 2025 إلى 2030.
وتشير بيانات إحصائية موثقة بحسب موقع (ZipDo) المختص بتقارير أبحاث السوق إلى أن حجم التجزئة العالمي لمشروبات الطاقة وصل إلى حوالي 8.2 مليار لتر في عام 2022، مقابل جزء من السوق الكلي للمشروبات الغازية والمشروبات الجاهزة للإستهلاك.
وأظهرت بيانات من مراكز السموم الأمريكية (Poison Centers) ارتفاعًا واضحًا في أعداد المكالمات الطارئة حول التعرض لمشروبات الطاقة بين الأطفال والمراهقين حتى سن 19 عامًا، إذ بلغ عددها 2609 مكالمات في عام 2024.
وتضاعف عدد حالات دخول غرف الطوارئ في الولايات المتحدة بسبب مشروبات الطاقة من نحو 2000 حالة عام 2005 إلى أكثر من 20 ألف حالة بحلول عام 2011، وفق بيانات رسمية.
كما رصدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) 34 حالة وفاة مرتبطة مباشرة بمشروبات الطاقة خلال العقد الماضي.
قضية صحية
تكشف الحادثة الأخيرة أن مشروبات الطاقة في البحرين ليست مجرد منتج تجاري، بل قضية صحة عامة تتقاطع فيها التشريعات، الضرائب، العادات الاجتماعية، والمخاطر الطبية.
ورغم القيود الرسمية المشددة والضرائب المرتفعة، تظل هذه المنتجات في متناول شريحة واسعة من الشباب؛ نظراً لصعوبة الرقابة على تنفيذ القانون.
ومن هنا ينقدح السؤال التالي: هل تكفي التشريعات والضرائب وحدها، أم أن البحرين – ومعها دول العالم – بحاجة إلى إجراءات أكثر صرامة، وحملة توعوية أوسع تُغيّر ثقافة الاستهلاك وتمنع تكرار مآسي مثل وفاة الفتى البحريني؟.
