العدد 6163
الجمعة 29 أغسطس 2025
ثقافة العطاء والاستغناء وما بينهما
الجمعة 29 أغسطس 2025

يتحدثون عن ثقافة الشكر ولا يشكرون، عن فضيلة المعروف ولا يرتكبونه إلا بشق الأنفس، الإنكار ديدنهم، والتعالي صفة لا موصوف لها ولا مصفوف بعدها، هكذا يتعامل البعض مع الإتقان وكأنه رجس من عمل الشيطان، ومع الإلهام وكأنه وحي كذوب لا تأتي به الملائكة ولا يهبط من السماء مع المطر. هكذا هي الأيام عندما تلقي بك في قلب الخطر، يصبح الفعل وردة الفعل جزءا واحدا لا يتجزأ، والواصف والموصوف وكأنهما شبيهان لا ثالث لهما.

مؤخرًا ارتطمت أقدامي بمنطقة محظورة وأنا أقيم حوارًا مع مسؤول عن دوائر معارف متعددة، وقفت في شرك تصوراته عن الذين يجزلون العطاء في الفكر والروح والضمير، بينما هو لا يقيم وزنًا لهؤلاء “المارقين” في نظره، وجدته لا يعترف بالجودة بقدر ما يتحدث عنها، ولا بالإبداع بحجم ما يدعي أنه يدعو إليه، ووجدته متشدقًا مازحًا بالقدرات العبقرية للذكاء الاصطناعي وكيف أنه سيحل محل الإبداع البشري، ثم وجدته مستخفًا ناكرًا لكل ما يمكن أن يأتي إليه بجدية من شاب في مقتبل العمر وهو يبحث عن ضالته المنشودة، متلقفًا فرصة عمل أو حتى ربع فرصة. ثم وجدته ووجدته، متخليًا عن مبادئه التي تربى عليها، ليحل مكانها مبدأ “لا قناعة يمكنها أن تتجلى مع الكنز الذي لا يفنى”، ووجدته ووجدتها.. ظهيرين متقابلين لكل تضاد في المعنى وخلاف في السلوك، وتناقض في الحركة.

كدت أستسلم لما يُقال عن أسطورية “الشات جي بي تي”، عندما تتحدث معها راجيًا منها المساعدة في وضع عنوان لمقال أو لدراسة أو لكتاب جديد، وجدتها متلعثمة أمام الخيارات التي نضعها أمام التطبيق، فإذا به يأتي إلينا بأسوأ مما نقترح، وأبعد مما هو تحت ظل خيالاتنا.

أدركت أن كل ما يؤتى به اصطناعيًا لن تمسسه روح، ولا تقبل به لمسة شجن في قلب فنان. رغم ذلك، ورغم التجارب والمحاولات، تمكنت من العثور على فكرة تطل برأسها من بين عشرات المحاولات، “الشات” ما أروعه بشرط أن تقوده ولا تتركه يقودك، بشرط أن تعلمه وأحيانًا تلقنه حتى تستطيع الوصول معه إلى مستقر بشأن معلومة، وحقيقة دامغة بخصوص حدث عظيم.

سألناه عن موقع رأس الإمام الحسين (ع)، وإذا ما كانت قد دفنت في القاهرة مثلما يعتقد المصريون أم إنها عادت إلى الجسد قبل أربعين الإمام (ع) في مستقرها الأخير بكربلاء بالعراق، الإجابات من الذكاء الاصطناعي جاءت إلينا مهترة وغير واثقة، بل ومرددة للآراء التي تقول إن الرأس الطاهرة لم تدفن في القاهرة أو أنها دُفنت فيها، “الشات” أضاعنا معه وأضاع المعلومة في آراء متعددة لا يحسمها يقين ولا تؤكدها حجة ولا يسندها برهان.

ما هو تحت أيدينا لن يختلف كثيرًا عما تأتي به التقنية الحديثة، صحيح أنها أرشيف معلومات متحرك، ومحرك لبديهيات ينبغي إعادة البحث فيها واستقراء ما هو غامض منها، وصحيح أن “الشات” واسع الصدر، رحب الأفق، ولا يغضب أبدًا، لكن الصحيح أيضًا أنك لو لم تمتلك أصول المعارف، فإنك قد تضيع لو اعتمدت فقط على هذا الصديق الإلكتروني لكي يدلي بدلوه نيابةً عنك، ولو استنجدت به لينقذك من مأزق، أو يُلقي لك بطوق نجاة من هدير التحدي كي يرفع عنك الحرج.

ثقافة العطاء والاستغناء لا يمكن أن نضلل بها محتاجا، أو نجيب عن طريقها على تساؤلات سائل محروم، وآخر مشبعًا بكل ما نلقي له من سموم، هي ثقافة ادعاء تتشابه مع ثقافة الشكر المبطن باللف والاستعلاء، وتلك التي دخلت إلى حياتنا العملية لكي تضيف إلينا اختزالاً جديدًا لأسمى قيمنا، وحميد أخلاقنا، ونبيل مواقفنا، و.. هناك من يتخفى مستترًا وراء القصد.

 

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .