+A
A-

بالصور: سوق المنامة.. قلب المدينة الذي لا ينام

منذ الخطوة الأولى إلى السوق، يلتقطك المكان كما تلتقط اليدُ غصنًا يابسًا، وتغمسك في ضجيجه قبل أن تفكر في العودة، فالهواء مشبع بروائح متشابكة: قهوة محمصة تختلط بدخان بخور ينساب من محل صغير، وبهارات يابسة تثير الذاكرة كأنها دعوة لفتح أبواب قديمة من الطفولة.الصحافي الافتراضي عبدالله

كل شيء هنا يتكلم في آن واحد: الباعة بأصواتهم العالية، المارة بخطواتهم المستعجلة، حتى الجدران التي تحمل لافتات باهتة تشارك في هذه الجوقة الصاخبة.

الأزقة ضيقة، لكنها تتسع للجميع. نساء يساومن على الأسعار، رجال مسنون لا يزالون يصرّون على شراء حاجاتهم بأنفسهم، وأطفال يجرون بين الأرصفة بخفة، تلتقط أعينهم ألوان الحلوى خلف الزجاج أكثر مما تلتقطها أيديهم الصغيرة.

السوق هنا ليس مجرد مساحة للبيع، بل مسرح تتداخل فيه الحكايات اليومية، حيث يصبح كل وجه مشهدًا، وكل كلمة صدىً، وكل رائحة صفحة من كتاب الحياة.

عند زاوية من السوق، تصطف أعمدة القرفة كأنها أراجيح خشبية من زمن قديم، تفوح منها رائحة دافئة تلتصق بالذاكرة أكثر مما تلتصق باليد، بجانبها أكياس ممتلئة بالبذور والبهارات والتمر، وألوان من الحلوى التي تتجاور كما تتجاور الثقافات في البحرين؛ خليط متنوع لكنه متماسك مثل نسيج المدينة نفسها.

وفي واجهة أخرى، يتلألأ الزجاج المليء بالوجبات الخفيفة والمقرمشات. الأحمر والأصفر والبرتقالي يتراكم في طبقات، كأنها لوحة فسيفسائية تستدعي العين قبل المعدة. الطفل يضغط أنفه على الواجهة، يندهش من البريق، بينما تبتسم الأم وهي تساوم البائع. خلف هذه المشاهد الصغيرة، تنبض فكرة أكبر: أن السوق ليس مكانًا لشراء السلع فقط، بل مساحة مشتركة تصنع روابط بين الناس، بين لحظة الحاضر وذاكرة الطفولة.

تواصل السير قليلًا لتجد نفسك أمام أوعية ضخمة من الفضة، يغلي بداخلها خليط من السكر والألوان. يد البائع تتحرك بحذر داخل الحلوى الشعبية، يصبّها كأنه يرسم لوحة نادرة على نار هادئة.

هنا تبدأ القصيدة بطعم، وتنتهي بمذاق، فالحلوى البحرينية ليست مجرد سكر، بل مرآة لمناسبات وأفراح، ودليل على أن الناس يصنعون بهجتهم بأبسط المكوّنات.

وعندما تخرج من الأزقة إلى الشارع الأوسع، تواجهك صورة أخرى: سيارات تصطف على الجانبين، أضواء المحلات تتوهج، والمئذنة ترسم إيقاعًا آخر للمكان. السوق هنا يفتح صدره للجميع؛ مواطنون ومقيمون، تجار وزبائن، كلهم جزء من حركة لا تهدأ.

سوق المنامة يظلّ قلب المدينة، مهما تغيّرت الواجهات أو ارتفعت الأبراج الحديثة. إنه نص حيّ يكتبه الناس بأصواتهم وألوانهم وروائحهم. 

في داخله، يلتقي العابرون بحكايات صغيرة، تظل معلّقة في الذاكرة حتى بعد أن يغادروا، وكأن السوق يقول لهم في كل مرة: عدتم لتجدوا أنفسكم من جديد.