قميص أبيض ودفاتر وأحذية مرتبة.. صفحات في ذاكرة الطابور
الأسواق القديمة.. فصل جديد من الحنين والعودة للمدارس
تبدو الأسواق القديمة كأنها نصّ حيّ يتنفس بين الجدران والواجهات المضاءة. المحال الصغيرة، المزدحمة بالملابس المعلّقة، كأنها مقاطع شعرية تتراكم فوق بعضها: قميص أبيض يجاور آخر أسود، بنطال يقف على طرف واجهة، و “مانكان” جامد يروي صمت الحشود.
إنها العودة إلى المدارس، لكن ليست على شكل إعلان رسمي أو نشرة مدرسية، بل كطقس جماعي يتكرر كل عام، حيث تمتزج أصوات الباعة مع وقع خطوات الناس، وتختلط الأقمشة الجديدة برائحة الأزقة العتيقة. الآباء يتفحّصون الأسعار، الأطفال يجرّبون مقاسات لا تكاد تناسب اندفاعهم نحو الغد.
في عيون المارة، شيء من الحنين؛ فالقميص الأبيض ليس مجرد قطعة قماش، بل ذاكرة طابور صباحي ودفتر ممتلئ بالهوامش. والحذاء الرياضي المعلّق في واجهة المحل، هو وعدٌ بخطوات أكثر سرعة نحو حلمٍ صغير.
الأسواق هنا لا تبيع الملابس فقط، بل تبيع الإحساس ببدء فصل جديد، بداية يخطّها الطفل مع أول دفتر، وترافقها الأم بابتسامة مطمئنة، ويشاركها الأب بحساب دقيق في جيبه.
كل محل هو مقطع من قصيدة، يتدلّى من واجهته قماش داكن يذكّر بالرصانة، وهناك واجهة بيضاء تمامًا، كأنها تدعو إلى نقاء البدايات. في الداخل، تتجاور القمصان كأنها جملة طويلة تنتظر القارئ أن يمدّ يده ويختار كلمة منها ليكتب نصه المقبل.
العودة إلى المدارس ليست مجرد حدث موسمي، بل مشهد كامل، حيث السوق نفسها تتحول إلى فصل دراسي كبير، والباعة إلى معلمين صامتين يقدّمون دفاتر من قماش وخيوط، والطلاب هم أبطال هذه الحكاية، يدخلون إلى الغد بثياب جديدة وأحلام قديمة لا تنتهي.
