الحسد ليس شعورًا عابرًا بالغيرة كما قد يظن البعض، بل هو مرض مستشرٍ عنوانه “الاعتراض على قضاء الله وقدره”. وهو صفة شيطانية أول من مارسها إبليس حين حسد سيدنا آدم؛ لذلك جاء في الأثر “الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء”.
في حياتنا الاجتماعية المزحومة، يمارس الحاسدون حسدهم بصبر وتركيز، مدمّرين بهذه الصفة الإبليسية العلاقات بين الناس. كم من رحم انقطعت بسبب عين حاسدة، وكم من أسر تفككت لأن أحدهم لم يحتمل أن يرى قريبًا له في نعمة أو في توفيق أو راحة بال.
وفي بيئات العمل، يظهر الحسد بأبشع صوره؛ فبدل أن تكون أماكن العمل ساحات للتعاون والإبداع، تتحول إلى منافسة مريضة حبلى بالمؤامرات والدسائس، يسعى فيها الحاسدون إلى عرقلة زملائهم والتشويش على إنجازاتهم؛ فيصبح الموظف المبدع، الذي يكدّ ليل نهار ليطوّر نفسه، محاصرًا بعيون لا تنتظر إلا سقوطه. وهنا تكمن المأساة: ظلم للكفاءات، وقتل للروح المنتجة، وإحباط للمتميزين الذين حفروا الصخر بأظافرهم ليبنوا مستقبلًا أفضل لهم ولعوائلهم.
وقد لخّص الجاحظ هذه الحقيقة بقوله: “الحسد داء عضال، لا يَسلم منه إلا من عرف قدر نفسه وقنع بما قُسم له”، فهو داء ينهك صاحبه قبل أن يضرّ غيره، إذ يعيش الحاسد في ضيق دائم، لا يرى الخير في غيره، ولا يستمتع بما بين يديه.
الحسد لا يجلب سوى الخسارة: خسارة للعلاقات، وخسارة للثقة، وخسارة للسكينة الداخلية. أما العلاج فبسيط: الرضا بما قسمه الله، والشكر على النعم، والفرح لنجاح الآخرين كما نفرح لأنفسنا. فالنعم تزداد بالشكر، وتذبل بالحقد.