العدد 6149
الجمعة 15 أغسطس 2025
بين متعة السفر ودروس التاريخ
الجمعة 15 أغسطس 2025

لم يكن في ذهني يومًا أن جنوب أفريقيا ستكون على قائمة وجهاتي السياحية.. بلد بعيد عن منطقتنا، مختلف في طبيعته وثقافته، وتاريخه معقد وحافل بالأحداث، لكن شاءت الأقدار أن أزورها هذا الصيف، في الوقت الذي يكون فيه الشتاء في نصف الكرة الجنوبي، فالجو كان باردًا ومنعشًا، والسماء أحيانًا صافية وأحيانًا أخرى تتلبّد بالغيوم وكأنها تروي لك قصص المكان، وكما يقال “الخضرة والماء والوجه الحسن”.

رحلتي كانت بتنظيم من شركة سياحية بحرينية أجد من الواجب أن أُثني عليها، فقد منحتنا تجربة تستحق العلامة الكاملة من حيث التخطيط والدقة والاهتمام بالتفاصيل. كنا مجموعة من 33 مسافرًا، اختلفت أعمارنا وأطيافنا ومستوياتنا التعليمية ومراكزنا الوظيفية وتجاربنا الحياتية، لكن ما جمعنا كان هدفاً واحدًا لا غير، وهو استكشاف هذا البلد الفريد. فالتوليفة كانت جميلة والمجموعة كانت من مختلف مناطق المملكة.

كما أن مشاركة عدد من المسافرين من الشقيقة المملكة العربية السعودية أضافت نكهة مختلفة وانسجاماً ورونقا جميلاً مع باقي أعضاء الفريق من البحرينيين المعروف عنهم الطيبة وحسن الخلق وطيب المعشر، فهذه الصفات الجميلة التي يتمتع بها البحرينيون نعمة عظيمة من نعم الله علينا، والمحافظة عليها من واجبنا الوطني لتتوارثها الأجيال القادمة، حيث إن الشعوب تقاس بحسن الأخلاق والقيم. وكما قال الشاعر الكبير أحمد شوقي “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”.

كما يقول الإمام الشافعي في فوائد السفر: “تغرب عن الأوطان في طلب العلى، وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفريج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد”.
 

فمنذ اللحظة الأولى، أسرتني طبيعة جنوب أفريقيا. الجبال الشامخة، الشواطئ الممتدة، الغابات التي تعج بالحياة البرية. وأجمل ما فيها هو شعبها الطيب من البيض والسود الذين يرحبون بك بابتسامة صادقة. شعرت أنني في بلد استطاع أن يحوّل جراحه القديمة إلى طاقة للتعايش والمصالحة والحب والاحترام.

أكثر ما ميّز هذه الرحلة هو اختلاف برنامجها عن أية رحلة أخرى. فبدل الاكتفاء بجولات المدن والمتاحف والأسواق، انطلقنا في مغامرة سفاري بين البراري، حيث تلتقي الأسود والفيلة ووحيد القرن وغيرها في بيئتها الطبيعية. تجربة جعلتني أشعر أنني داخل فيلم وثائقي حيّ، بل ربما أفضل، لأنك ترى الحيوانات على طبيعتها، دون أقفاص أو حدود.

وعلى الرغم من أننا لم نتمكن من المشاركة في كل الأنشطة بسبب عوامل الصحة والعمر، لكن حتى ما استطعنا القيام به كان كافيًا لترك بصمة لا تُنسى في الذاكرة.

لكن، بينما كنا نستمتع بجمال هذا البلد، كان التاريخ يطل برأسه بين الحين والآخر. كيف يمكن لبلد بهذه الروح المرحة والطبيعة الساحرة أن يكون قبل عقود قليلة سجين نظام الفصل العنصري؟ فقد كان المجتمع منقسمًا بين أقلية بيضاء تملك السلطة، وأغلبية سوداء تُحرم من أبسط الحقوق.

هنا يبرز اسم الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، الرجل الذي أصبح رمزًا عالميًا للنضال والحرية. فأثناء وجودنا في كيب تاون، مررنا قرب جزيرة روبن الشهيرة، حيث قضى مانديلا معظم سنوات سجنه التي بلغت 27 عامًا! تخيلت هذا الرجل الشجاع الذي قبع خلف القضبان، محرومًا من الحرية، لكنه كان متمسكًا بالأمل، إلى أن خرج ليصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا عام 1994، ويقود شعبه نحو مصالحة تاريخية لم يتوقع أحد نجاحها.

وما أراه اليوم من انسجام وتسامح بين البيض والسود في الشوارع والأسواق والحدائق، هو ثمرة ذلك النضال. المشهد الذي أعيشه كزائر لم يكن ليتحقق لولا أن هذا الشعب واجه ماضيه بشجاعة، واختار طريق العدل والمساواة بدل الانتقام.

وأنا أعود من جنوب أفريقيا، حملت معي أكثر من مجرد صور وذكريات جميلة.. حملت دروسًا عن الصبر، وقوة المصالحة، وأن الجمال الذي تراه العيون اليوم ربما كان ثمرة دموع ومعاناة الأمس.

هناك، أدركت أن الحرية ليست هدية تُمنح، بل ثمرة تُنتزع، وأن الشعوب التي تحمي قيمها وتتصالح مع جراحها، تستطيع أن تكتب فصولًا جديدة أجمل من الماضي.

*كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية