لم يعد السير في شوارع بلد الضباب - وتحديدًا العاصمة لندن التي تعد من أكثر المدن شهرةً وازدحامًا في العالم - يشعر الزائر بالطمأنينة كما كان سابقًا، فما كان يُروى عن أحياء نائية أو أحداث ليلية، أصبح الآن يُرى في وضح النهار وفي قلب العاصمة.. مشاهد سرقة الهواتف المحمولة والساعات الفاخرة، خصوصًا من السياح، تتكرّر بوتيرة مقلقة، فيكفي متابعة بعض المقاطع المصورة المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي لتشاهد كيف يمرّ لص على دراجة نارية أو هوائية بجانب سائح أو مواطن ليخطف هاتفه أو ساعته، وينطلق بسرعة جنونية دون أن يستطيع أحد إيقافه!
مؤخرًا، قُتل شاب بريطاني وهو يحاول مقاومة لص حاول سرقة ساعته من نوع “رولكس”، ولم يكن في منطقة معزولة، ولا في ساعة متأخرة من الليل، بل في مكان عام يعجّ بالمارة. هذه الحادثة ليست استثناءً، بل واحدة من سلسلة حوادث مشابهة طالت حتى السياح الخليجيين والعرب الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لعصابات تنشط بجرأة تثير القلق.
وما يثير القلق أكثر أن هذه الظاهرة باتت موثقة بالأرقام. ففي عام 2024 وحده، سُجلت في لندن أكثر من 81,000 حالة سرقة لهواتف محمولة، بزيادة تقارب 20 % عن العام السابق له. كما ارتفعت جرائم “السرقة من الشخص” بنسبة 50 % على مستوى المملكة المتحدة، لتصل إلى حوالي 483,000 حالة. أما سرقة المتاجر، فقد بلغت حوالي 90,000 حالة، بزيادة بلغت 54 %. هذه الأرقام الرسمية تعكس واقعًا مقلقًا يجعل من ارتداء ساعة فاخرة أو استخدام الهاتف في الأماكن العامة أمرًا محفوفًا بالمخاطر.
قد يقول البعض إن هذه الظواهر موجودة في كل مدينة كبرى، لكن يبقى السؤال: ما حجمها؟ والأهم من كل ذلك هو الأثر التراكمي على صورة المدينة!
فعندما يتحول الأمن إلى مطلب وليس واقعًا، فإن السائح يعيد التفكير في وجهته. وقد بات من المعتاد أن تُقدَّم نصائح لزوار لندن، خصوصًا من دول الخليج، بعدم ارتداء الساعات الثمينة أو إظهار الهواتف، بل وتجنب بعض المناطق نهارًا، وليس فقط ليلًا. أليست هذه مفارقة؟ أن يُطلب من السائح أن يتخلى عن مقتنياته أو حريته في التنقل خشية الجريمة؟ وكيف يمكن أن يزدهر قطاع السياحة في بيئة يشعر فيها الزائر بالخوف بدل المتعة والطمأنينة؟.
وبصراحة شديدة ويعذرني البعض، ومن وجهة نظري الشخصية فإن بعض السياح يسهمون ولهم دور كبير في تفشي هذه الظاهرة، حيث إن البعض يبالغ في لبس الملابس والمجوهرات والساعات وغيرها من الأشياء التي تكون مغرية للصوص، فالاستمتاع بالإجازة حق مشروع للجميع، ولكن من المهم أيضًا أن نستمتع بكل لحظة بعيدًا عن المفاخرة بالساعات والحقائب والمجوهرات، فهذه الكماليات لا تزيد من استمتاعنا بالإجازة. فمتعة السفر أن نتجرد من الرسميات والمظاهر الاجتماعية التي نمارسها في دولنا ونتماشى مع عاداتنا وتقاليدنا.
تصوروا مشاهدة بعض السياح الخليجيين بكامل ملابسهم الأنيقة مع أطقم المجوهرات والساعات الفاخرة والمكياج وكأنهم سيحضرون حفل استقبال أو زفاف، لا حديقة عامة مثل الهايد بارك وغيرها من الأماكن التي عليهم فيها لبس ملابس وأحذية رياضية مريحة للمشي تليق بالمكان، وأنا لا أبرر أسباب السرقات بقدر التزامنا بالإتيكيت والذوق العام في كل شيء.
في المقابل، ونحن نتابع هذه المشاهد، لا يسعنا إلا أن نستشعر النعمة التي نعيشها في وطننا الحبيب. فالأمن ليس مجرد شعور، بل هو واقع ملموس. أن تمشي في شوارعنا في أي وقت دون خوف، أن تترك باب منزلك مفتوحًا دون قلق، أن تعلم أن ابنك يخرج إلى المدرسة ويعود بأمان، كل هذا ليس أمرًا بسيطًا. إنه نتاج عمل حكومة ومؤسسات أمنية ساهرة، وجهود مستمرة من قيادة تضع الإنسان وأمنه في مقدمة أولوياتها.
فنحن لا نزعم أن مجتمعنا خالٍ تمامًا من الجريمة، لكن مستوى السيطرة والردع والاستجابة السريعة يجعل من البحرين نموذجًا يُحتذى في السلامة العامة، وهو ما يعزّز ليس فقط ثقة المواطن، بل أيضًا جاذبية السياحة والاستثمار.
حين نرى ما يجري في بعض العواصم العالمية، ندرك أن الأمن ليس رفاهية، بل ضرورة، وأساس كل تطور. السياحة لا تزدهر، والاستثمار لا ينمو، والحياة لا تُزهر في بيئة يسودها الخوف وعدم الاستقرار. ولهذا، فإن من واجبنا أن نحافظ على هذه النعمة، وأن ندرك أن الأمن لا يصنعه رجال الشرطة وحدهم، بل يصنعه الوعي المجتمعي، والاحترام المتبادل، وسيادة القانون.
الخلاصة.. السؤال الذي يطرح نفسه وفي نفس الوقت يحيرني كثيرًا، وهو أن دولة متقدمة مثل بريطانيا وهي تصدر التكنولوجيا الحديثة، والكثير من الدول تستعين بها لتطوير أجهزتها الأمنية، كيف لا تستطيع السيطرة على هذه الظاهرة التي من وجهة نظري المتواضعة لن تكون صعبة المنال! ما رأيكم؟.
كاتب وإعلامي بحريني