العدد 6148
الخميس 14 أغسطس 2025
ظلال القرصنة: صمتت العواصم لتتكلم الشاشات السوداء
الخميس 14 أغسطس 2025

باتت الهجمات السيبرانية جبهات حرب حقيقية، تخترق الجدران النارية وتلتهم أسرار الدول والشركات كما تلتهم النار الهشيم. في الأيام الأخيرة، تعرّضت مؤسسات فرنسية كبرى لسلسلة من عمليات القرصنة المنسقة، مستَهدَفةً قطاعات الاتصالات والطيران والصناعات الدفاعية الثقيلة.
البداية كانت مع رسائل إنذار تلقّاها بعض النشطاء المعارضين للاحتلال الإسرائيلي، تُفيد بمحاولات دخول غير مشروع إلى حساباتهم الإلكترونية، إحداها من شركة الاتصالات وأخرى من “إير فرانس”. لكن الأمر لم يقف عند حد الأفراد، بل تجاوزه إلى عملاق الصناعات الدفاعية الفرنسية، شركة *”نافال جروب”*، التي تشكّل أحد أعمدة الصناعة العسكرية في باريس، وصاحبة الخبرة الطويلة في تصميم الغواصات النووية وحاملات الطائرات.
المخترقون – الذين يعملون على ما يبدو في غرف عمليات عالية التقنية – تمكّنوا من الحصول على وثائق حساسة عن قدرات الأسطول الفرنسي، ومعلومات دقيقة تتعلق بتصميمات الغواصات النووية وأنظمة تسليحها، إضافة إلى بيانات عن شركاء دوليين في مشاريع بحرية استراتيجية. الأخطر أن البيانات المسرّبة شملت أيضًا تفاصيل تخص أساطيل دول كبرى، ما يجعل نطاق الاختراق عابرًا للحدود ومؤثرًا في ميزان القوى البحري العالمي.
ورغم أن القاعدة الاستخباراتية القديمة تقول: “فتّش عن المستفيد”، فإن الخطاب الرسمي في باريس يتجنّب حتى الإيماء إلى اسم الطرف المحتمل، وهو في نظر كثيرين ليس بعيدًا عن دائرة الاشتباه. فالموساد الإسرائيلي، بخبراته الممتدة في الحرب السيبرانية، سبق أن وُجّهت إليه أصابع الاتهام في عمليات مشابهة ضد خصوم سياسيين وأهداف اقتصادية في شتى أنحاء العالم. لكن في ظل الحسابات الدبلوماسية والتحالفات المعقدة، يختار المسؤولون الفرنسيون الصمت، تاركين للرأي العام أن يربط بين النقاط.
فنّ الاختراق الذي جرى هذه المرة يقوم على مزيج من *هندسة اجتماعية* عالية الحرفية – عبر رسائل بريد إلكتروني مموهة تتنكر في هيئة إشعارات من مزوّدي الخدمات – وبين *هجمات يوم الصفر* التي تستغل ثغرات لم تُكتشف بعد في البرمجيات. وما أن ينقر الهدف على رابط خبيث أو يفتح ملفًا مرفقًا، حتى يُزرع في أجهزته برنامج تجسّس قادر على نسخ البيانات وإرسالها في صمت إلى خوادم بعيدة.
لمواجهة مثل هذه التهديدات، يحذّر خبراء الأمن السيبراني من التهاون في تحديث الأنظمة والبرامج بشكل دوري، ويشددون على استخدام المصادقة الثنائية، وتجنّب فتح الروابط أو المرفقات المشبوهة، إضافة إلى اعتماد شبكات افتراضية خاصة *(VPN)* عند الاتصال بالإنترنت من خارج بيئة العمل الآمنة. كما يُوصون بعمليات تدريب دورية للعاملين على أساليب كشف محاولات الاحتيال الإلكتروني قبل أن تتحوّل إلى ثغرة كارثية.
في النهاية، قد يتغيّر اسم الضحية في كل مرة، لكن المهاجمين غالبًا ما يتحركون من الظلال نفسها. والخطر الأكبر ليس في قدرة القراصنة على سرقة الأسرار، بل في صمت العواصم حين يتعلّق الأمر باتهام حليفٍ نافذ، حتى لو كان هو من يشعل الحريق في غرف التحكم. 

 

كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .