العدد 6141
الخميس 07 أغسطس 2025
السفارات تحت المقصلة الرقمية.. كيف تحولت موسكو إلى ساحة صيد إلكتروني؟
الخميس 07 أغسطس 2025

نجا بحرينيون كانوا في موسكو الأحد الماضي من ضربات طائرات مسيرة استهدفت مطار العاصمة، كما نجوا قبل ذلك بأيام، في أواخر يوليو، من هجوم آخر، لم يكن بطائرات مسيرة، بل بهجوم سيبراني، طال السفارات والدبلوماسيين والأجانب المقيمين. المفارقة أن هذا الهجوم لم يكن من تدبير خصم خارجي كأوكرانيا صاحبة المسيرات، بل من الداخل الروسي نفسه، الذي يبدو أنه وسّع رقعة الحرب لتشمل حتى زواره المؤقتين.
في تقرير صادر عن شركة “مايكروسوفت” نهاية يوليو، كُشف عن حملة تجسس إلكتروني تقودها جهة حكومية روسية، استهدفت سفارات أجنبية ودبلوماسيين داخل موسكو. واعتمدت الحملة على أسلوب بالغ الخبث: توجيه المستخدمين دون علمهم إلى مواقع إلكترونية مزيفة تشبه المواقع الرسمية، تدعوهم لتحميل برنامج حماية مزعوم من “كاسبيرسكي”، لكن الحقيقة أن هذا البرنامج لم يكن سوى “حصان طروادة”، يُثبت شهادة أمنية مزورة تسمح للمهاجمين بالتجسس، وانتحال، واختراق الأنظمة.
هذه الهجمة ليست عشوائية؛ فالسفارات هدف استراتيجي لكل من يسعى لاصطياد معلومة ثمينة أو اختراق تسلسلي لجهة حساسة. ولا يقتصر الخطر على الدبلوماسيين، بل يمتد لأي أجنبي يستخدم الإنترنت المحلي، سواء كان سائحًا، صحفيًا، أو موظفًا في منظمة دولية.
ما يزيد من خطورة المشهد أن هذا النوع من الهجمات لا يأتي في فراغ، بل في خضم حرب سيبرانية متصاعدة بين روسيا والغرب، بدأت منذ سنوات، واشتدت عقب الحرب الأوكرانية. فقد سبق أن استهدفت روسيا بنى تحتية غربية، فيما ردّت كييف ومؤيدوها بهجمات مؤلمة، من بينها تعطيل رحلات “إيروفلوت” وقرصنة وسائل إعلام حكومية روسية.
لكن أن تُطلق روسيا سهامها السيبرانية نحو أراضيها، وتزرع الفخاخ في قلب موسكو، فذلك يؤشر على نقلة نوعية في التكتيك: من الهجوم إلى الاصطياد. تُراقَب الأجهزة، تُحاكى المواقع، ويُنسَج شَرَك إلكتروني بإتقان، هدفه اختراق العقول الرقمية ومصادرة أسرارهم. وتحذر “مايكروسوفت” من أن هذه التقنيات، خاصة زرع شهادات أمنية مزورة، تعكس تطورًا تقنيًا مدعومًا بقدرات حكومية، يصعب رصده ويهدد السيادة الرقمية للدول. أما الحلول، فهي إجراءات وقائية تبدأ من استخدام شبكات VPN، وتحديث الأنظمة، والامتناع عن تحميل البرامج مجهولة المصدر، إلى التواصل مع خبراء الأمن عند الاشتباه. في عالم أصبحت فيه الحرب تُخاض بلوحات المفاتيح لا البنادق، لم تعد السفارات بحاجة فقط إلى حراسة مشددة، بل إلى دروع رقمية منيعة، تحميها من رصاص خفي لا يُسمع له صوت، لكنه يُفرغ أسرار الدول كما تُفرغ الطائرات خزانات وقودها على أهدافها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية