العدد 6120
الخميس 17 يوليو 2025
نوم العقل على وسادة الآلة.. هل نسلم الإبداع للذكاء الاصطناعي؟
الخميس 17 يوليو 2025

في عالم يزداد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كأداة مساعدة بل كرفيق دائم في عملية التفكير والكتابة، يتسلل سؤال وجودي إلى الوعي الجمعي: هل تُطفئ الآلة ذلك اللهيب الذي طالما كان يشعل شرارة الإبداع في الإنسان؟ وهل بإمكان أدوات مثل “ChatGPT” أن تصيغ لنا الأفكار دون أن تسرق منا القدرة على التفكير؟
هذه الأسئلة لم تعد محض تأملات فلسفية، بل وجدت طريقها إلى المختبر. دراسة حديثة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حملت معها إشارات أولية لكنها مقلقة: الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي في المهام الذهنية قد يؤدي إلى خمول إدراكي يطال أعمق وظائف العقل البشري.
في تجربة خضع لها 54 مشاركًا، طُلب من كل منهم كتابة مقالات إبداعية عن قضايا أخلاقية، باستخدام أدوات مختلفة، بعضهم استند إلى “ChatGPT”، بعضهم اعتمد على محرك “غوغل”، فيما كُلف البقية بالاعتماد على عقولهم المجردة. النتائج لم تكن مجرد اختلافات سطحية في الأسلوب أو جودة النصوص، بل رصدت الدراسة تراجعًا واضحًا في النشاط العصبي لدى مستخدمي الذكاء الاصطناعي.
البيانات جاءت صادمة: المشاركون الذين كتبوا باستخدام “ChatGPT” سجلوا فقط 42 اتصالًا عصبيًا في موجات “ألفا” المرتبطة بالإبداع والتركيز، مقارنة بـ 79 اتصالًا لدى من كتبوا بأنفسهم. أما موجات “ثيتا”، التي تحرس الذاكرة الطويلة المدى، فقد تقلصت بنسبة تزيد على النصف. ولعلّ الأكثر إيلامًا كان ملاحظات الباحثين بأن بعض المشاركين لم يتعرفوا على الجمل التي كتبها الذكاء الاصطناعي نيابةً عنهم، كما لو أن الآلة نزعت من النص بصمة صاحبه.
النتيجة الأعمق والأخطر كانت في ما يُسمى بـ “العبء المعرفي البنّاء” - وهو مؤشر علمي يقيس مدى قدرة الفرد على استيعاب المعلومات وربطها وتخزينها في الذاكرة طويلة الأمد - الذي شهد انخفاضًا بلغ 32 %. وهذا لا يشير إلى تراجع مؤقت في الأداء الذهني فحسب، بل إلى تآكل بطيء في أدوات الإنسان الإدراكية، من قدرة على التذكر إلى مهارة الربط وانتهاءً بالإبداع.
القلق لا يتوقف عند حدود الأرقام. فالأثر الذي رصدته الدراسة استمر حتى بعد إيقاف استخدام الأداة. بدا كأن العقل، بعدما تذوّق طعم الراحة، لم يعد راغبًا في عناء التفكير. 
وبدلًا من أن يستعيد زمام المبادرة، اتجه إلى الاعتماد، حتى في لحظات لا تتطلب ذلك.
الأكثر عرضة لهذا الخطر هم الشباب. العقول التي ما تزال في طور التكوين قد تُعيد تشكيل نفسها وفق نمط جديد سريع، مريح، لكنه سطحي، هش، وفق ما تحذّر منه الباحثة ناتاليا كوسمينا، المشرفة على الدراسة. فالإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل التعلّم قد لا يمنح الطفل أو الشاب الأدوات الذهنية التي يحتاجها لمواجهة العالم، بل قد يصنع منه مستهلكًا دائمًا للحلول الجاهزة.
ومع ذلك، ليس الهدف من هذه الدراسة إعلان العداء للذكاء الاصطناعي. فـ “ChatGPT” ليس عدوًا، بل مرآة. لا يفعل أكثر مما نطلبه منه. لكنه يصبح خطرًا حين يتجاوز دوره كأداة، ليحل محل التجربة البشرية الكاملة: المحاولة، الخطأ، الصقل، والتطوّر.
نحن بحاجة إلى لحظة تأمل لا تسعى لمنع التقنية، بل لإعادة تعريف علاقتنا بها. كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن نسمح له بأن يُخدّر قدراتنا؟ كيف نحافظ على حدود واضحة بين المساعدة والإحلال؟ فليست التكنولوجيا ما يهدد الإبداع، بل طريقة استخدامها.
في النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل نكتب لأننا نملك شيئًا لنقوله، أم لأن أداة ما أتقنت قول ما يشبهنا؟ هل نبقى مفكرين، أم نتحوّل إلى مديري محتوى يشرفون على نصوص لم يلمسوها بعقولهم؟
الإجابة لا تأتي من الآلة، بل من قرارٍ يتخذه الإنسان: أن يظل إنسانًا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية