في ميدان الحرب الحديثة، حيث تحلّق الطائرات المسيّرة وتُحلل الخوارزميات حرارة الأجساد وتفاصيل الوجوه، تبرز المفارقة: مقاومٌ يرتدي عباءةً بسيطة، يُربك منظومة رصدٍ متقدمة تكلّفت ملايين الدولارات.
نرى كيف شهدت الحرب الإسرائيلية على غزة فشلا استخباراتيًا، مقابل نجاح مدوٍ للموساد وأجهزته التقنية في إيران ولبنان؛ ما فجّر تساؤلات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: هل تكفي التكنولوجيا وحدها؟ هل يمكن للآلة أن تحلّ محل الإنسان في فهم السلوك والثقافات المحلية والخدع الميدانية؟ التقارير الإسرائيلية اعترفت بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي لم تنجح في تعقّب المقاومة بدقة؛ بسبب استخدام أساليب تمويه ميدانية بسيطة لكنها فعّالة، مثل “العباءة” التي أخفت ملامح الوجه والكتفين، وأربكت خوارزميات التعرّف على الأجسام.
يشير محللون إلى أن أدوات الاحتلال، بما فيها أنظمة مثل “Lavender”، تستند إلى تحليل بصمة الجسم وحرارته؛ ما يجعلها عرضة للخداع إذا تغيّرت الهيئة أو تم استخدام أقمشة تحجب التعقب الحراري. ومن هذا الباب، لجأت المقاومة إلى تصميم غطاء لا يعكس الضوء، ويتماهى مع الركام في موقع العمليات؛ ما صعّب عمليات التعرّف البصري والحراري.
ولم تكن هذه الوسائل مجرد حيل عشوائية، بل استندت إلى فهم دقيق لطبيعة الرصد الإلكتروني، ونجحت في إرباك الخصم وإفشال عمليات اغتيال دقيقة. كما يرى فنّيون عسكريون أن “العباءة” لم تكن فقط وسيلة إخفاء، بل حملت أيضًا بُعدًا نفسيًا ورمزيًا، إذ تحوّلت إلى شعار للتحدي والاستعداد للشهادة، خاصة بعد أن ارتداها قياديون كبار في أيامهم الأخيرة.
هذا الواقع دفع جيش الاحتلال لإسرائيلي إلى إعادة تقييم أولوياته، مُطلقًا برامج لتدريب جنوده على اللهجات العربية والفارسية، وإعادة الاعتبار للتفاعل البشري المباشر، بعد أن أدرك أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ، لا يستطيع وحده فك شيفرة المقاوم الذي يعرف الأرض وظلالها.
في زمن تتغوّل فيه الآلة، أثبتت المعركة أن الإنسان - بدهائه وبساطته - لا يزال قادرا على الاختفاء عن عيونٍ لا ترمش.