العدد 6148
الخميس 14 أغسطس 2025
هل تفتح قمة ألاسكا آفاقاً اقتصادية جديدة لريادة الأعمال؟
الخميس 14 أغسطس 2025
  • من الجغرافيا السياسية إلى فرص ريادة الأعمال

  • البريكس وفك الارتباط بالدولار... ملامح نظام اقتصادي جديد

  • رواد الأعمال بين فرص الانفتاح وتحديات الانقسام العالمي

 

في هذا المقال، أقدم قراءة تحليلية لأبعاد “قمة ألاسكا” وتداعياتها الاقتصادية على النظام العالمي، مع تسليط الضوء على ما قد تحمله من فرص وتحديات لقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال. وأود أن أوضح للسادة المختصين أن ما أطرحه هنا هو اجتهاد شخصي مستند إلى متابعتي وقراءاتي للمشهد الدولي الراهن، دون ادعاء التخصص الأكاديمي الدقيق في هذا المجال.
تتجه أنظار العالم إلى ولاية ألاسكا، حيث تستضيف قمة تاريخية مرتقبة بين الرئيسين الأمريكي والروسي، في لقاء يحمل أبعاداً جيوسياسية واقتصادية عميقة قد تعيد تشكيل ملامح النظام الاقتصادي الدولي. وبعيداً عن التعقيدات السياسية، يبرز البعد الاقتصادي كعامل محوري لفهم التأثيرات المحتملة لهذه القمة على التجارة العالمية، والاستثمار، ومستقبل العملات، إضافة إلى إعادة ترتيب التحالفات الاقتصادية القائمة وفتح المجال أمام نشوء تحالفات جديدة.

الخلفية التاريخية للعلاقات الاقتصادية
تاريخياً، تميزت العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وروسيا بتقلبات حادة، حيث تأثرت بشكل مباشر بالتوترات السياسية بين البلدين. شهدت العلاقات فترة تعاون نسبي عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، لكن هذا التعاون لم يدم طويلاً، إذ بدأت الخلافات السياسية تتصاعد تدريجياً، ما أدى إلى تدهور ملموس في العلاقات الاقتصادية. نتيجة لذلك، فرضت الدول الغربية عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على روسيا، استهدفت قطاعات حيوية مثل المصارف والطاقة والدفاع، مما أثر بشكل كبير على حجم التبادل التجاري بين البلدين.
ويشير تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS.org) إلى أن هذه العقوبات أدت إلى تراجع ملموس في حجم التبادل التجاري المباشر بين البلدين. ففي عام 2015، انخفض التبادل التجاري بنسبة 27.9 % وفق تقرير PONARS Eurasia، بينما بلغ العجز التجاري الأمريكي مع روسيا 11.2 مليار دولار في عام 2022، بحسب بيانات Trading Economics. هذه الأرقام تجسد مدى الترابط بين الأوضاع السياسية والتدفقات التجارية، وتؤكد أن أي انفراج أو تصعيد في ألاسكا سيكون له أثر اقتصادي مباشر.

التحول الروسي نحو الشرق
في ظل الضغوط والعزلة الاقتصادية عن الغرب، شرعت روسيا في تبني استراتيجية “التحول نحو الشرق” لتنويع شركائها الاقتصاديين وتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية. ووفق تحليلات CSIS.org و GMFUS.org، اكتسب هذا التوجه زخماً خاصاً بعد عام 2022، مع تعميق التعاون التجاري والاستثماري مع قوى آسيوية كبرى مثل الصين والهند. هذا التحول لا يقتصر على إعادة توجيه التجارة فحسب، بل يعكس سعياً لبناء شبكات اقتصادية بديلة بعيداً عن الهيمنة المالية الغربية.

صعود التحالفات الاقتصادية البديلة
تتزامن هذه التحولات مع بروز تكتلات اقتصادية متعددة الأقطاب، أبرزها مجموعة البريكس (BRICS) التي توسعت مؤخراً لتضم دولاً من الشرق الأوسط وأفريقيا، وفق تقارير DiscoveryAlert.com وCFR.org.
وبحسب تحليل صادر عن Banque-France، فإن الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة البريكس، محسوباً وفق تعادل القوة الشرائية (PPP)، قد تجاوز نظيره في مجموعة السبع (G7). ويُعتبر تعادل القوة الشرائية مقياساً اقتصادياً يُستخدم لمقارنة القيمة الحقيقية لاقتصادات الدول المختلفة، حيث يأخذ في الاعتبار الفروقات في تكلفة المعيشة ومستوى الأسعار بين البلدان، بدلاً من الاعتماد فقط على أسعار الصرف السوقية. هذا الأسلوب في القياس يوفر صورة أكثر دقة عن القوة الاقتصادية الفعلية للدول، ويعكس تحولاً ملموساً في موازين القوة الاقتصادية العالمية لصالح الاقتصادات الصاعدة.
في ذات الوقت تسعى مجموعة البريكس إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في المعاملات التجارية والاحتياطيات النقدية، ضمن توجه يعرف بعملية “فك الدولرة” (De-dollarization)، وهو توجه أكدته تقارير JPMorgan وUSNews.com. وعلى الرغم من استمرار هيمنة الدولار كعملة احتياطية رئيسية، أي العملة التي تحتفظ بها الدول والبنوك المركزية في احتياطاتها النقدية الأجنبية لدعم استقرار عملاتها المحلية، فإن تنامي استخدام العملات المحلية وتطوير آليات مالية بديلة يعكس رغبة دولية متزايدة في تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على عملة واحدة.

السيناريوهات المحتملة بعد القمة
نتائج قمة ألاسكا، سواء تمخضت عن انفراج يخفف العقوبات ويفتح مسارات تعاون جديدة، أو عن استمرار التوترات بما يدفع روسيا لتعزيز توجهها نحو الشرق، ستترك بصمات واضحة على الخريطة الاقتصادية العالمية، وستتحدد في اتجاهين رئيسيين:
إذا تحسنت العلاقات، فقد نشهد مراجعة للعقوبات وفتح فرص جديدة للاستثمار والتجارة، بما يعزز تدفق رؤوس الأموال ويقلل معدل البطالة. أما إذا استمرت التوترات، فقد تتسارع خطوات إعادة الاصطفاف الاقتصادي نحو تكتلات بديلة، وهو ما قد يبطئ الاستثمارات ويرفع معدل البطالة عالمياً.
الأثر على المشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال
التغييرات المحتملة التي قد تفرزها قمة ألاسكا لن تقتصر على الاقتصادات الكبرى، بل ستمتد إلى قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال على مستوى العالم. لذا، فإن فتح الأسواق أو إعادة هيكلة سلاسل الإمداد قد يتيح فرصاً جديدة لهذه المشاريع، خاصة في مجالات التكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة.
وفي المقابل، فإن استمرار التوترات قد يفرض تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التمويل والتأمين، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الدولية، واضطراب سلاسل التوريد.
وعليه، فإن رواد الأعمال بحاجة إلى تبني استراتيجيات مرنة، تساعد على تنويع وتطوير أسواقهم ومصادر تمويلهم، للاستفادة من الفرص الناشئة وتقليل المخاطر في ظل نظام اقتصادي عالمي يعاد تشكيله.

الخاتمة
إن قمة ألاسكا، بما تحمله من أبعاد جيوسياسية واقتصادية، ليست مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل محطة مفصلية قد تحدد اتجاهات الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة. وبينما تراقب القوى الكبرى مسار التوازنات الجديدة، تجد الدول النامية ورواد الأعمال في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في منطقتنا العربية، أمامهم فرصة لإعادة التموضع والاستفادة من التحولات الجارية.
إن قدرتنا على قراءة هذه المتغيرات مبكراً، وبناء شراكات استراتيجية، وتبني الابتكار وروح ريادة الأعمال في مجالات الإنتاج والخدمات، ستكون عوامل حاسمة في تعزيز قدرتنا التنافسية ضمن بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتعددية وسرعة التغير.
وفي نهاية المطاف، يظل النجاح رهيناً بقدرتنا على تحويل هذه التحديات إلى فرص، والفرص إلى إنجازات واقعية تسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة وازدهاراً.  
 

*أكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية