العدد 6142
الجمعة 08 أغسطس 2025
كلام في القروض الشخصية
الجمعة 08 أغسطس 2025

نحمد الله أن سُعار القروض المصرفية الشخصية توقفت حركته بعد الانفلات الائتماني الذي كانت تشهده المنظومة المصرفية مع مطلع الألفية، كانت المصارف التجارية تتسابق مع بعضها البعض من أجل أن تُقرض الأشخاص لمجرد أن لديهم راتبًا منتظمًا، وأن المؤسسة التي يعملون فيها ليست “سيئة السمعة” – أي أن أوضاعها المالية جيدة ولم يسبق لها التعثر، ولم تُحل من قبل إلى المحاكم المتخصصة أو إلى النيابة العامة. السباق كان على أشده بين المصارف لمنح قروضهم الشخصية، مكتفية فقط بهذه الضمانات، ضمان الراتب الذي يتم تحويله شهريًّا إلى البنك التجاري المُقرض.

مرت السنوات وانكشف المستور، حيث إن ذلك الرهان “رهان قوة الأوضاع المالية للمؤسسة التي يعمل فيها طالب القرض الشخصي” لم يدم طويلًا، سقطت أول حجارة الهرم المقلوب، ثم بقية الحجارة على رؤوس الجميع، فالأزمة الاقتصادية العالمية في أغسطس من العام 2008 ضربت المؤسسات الاقتصادية الناجحة في كل مكان على وجه الأرض، والمؤسسات التي كانت المصارف تنظر إليها بعين الاعتبار دخلت القائمة السوداء، كل ذلك يمكن أن يتحمله المصرف الذي يمنح القرض، حيث لديه احتياطات مالية قانونية تكفي لحمايته، وحيث القروض الممنوحة جميعها خاضعة بديهيًا لمظلة التأمين ضد التعثر، المشكلة والمطاردات القانونية وربما الجنائية لحقت فقط بجموع المقترضين الذين فقدوا وظائفهم لدى المؤسسات الاقتصادية “المفلسة”، ودخلت المنظومة كلها في حالة مطاردة منذ أكثر من 15 سنة مع المقترضين المتعثرين.

وسط إصرار لم يسبق له مثيل، بضرورة تحصيل كل مبالغ القروض المستحقة على العملاء، مع التشديد على عدم ترك الفوائد المركبة المتراكمة أصلًا للإعفاء البديهي عن كاهل هؤلاء المقترضين الذين لم يقرأوا الغيب، ولكن حسب علمي كانت المصارف تقرأه عن ظهر قلب.

المقترضون “الغلابة” الذين فقدوا وظائفهم لم يدرسوا الوضع المستقبلي بعد خمس أو عشر سنوات، بينما المصارف لديها من دوائر البحوث والاتصالات الدولية ما يوفر لها المعلومات الكافية عن مستقبل الأوضاع، بل وعن ماضي الأيام لتحتفظ بها لديها في الذاكرة الرقمية المصرفية.

المقترضون وحدهم ودون غيرهم ظلوا خارج دائرة القانون، اعتبرتهم المصارف أنهم حصلوا على أموال من دون وجه حق، وأنهم في عداد اللصوص الذين حصلوا على القرض من البنك مقابل شيك شخصي من دون رصيد.

وهنا لابد من وقفة مع ذوي الاختصاص، مع رجال القانون، بل ومع القانون الذي ينظم العمل بالشيكات، متى يصبح الشيك صادرًا بسوء نية؟ والجواب في غاية البساطة: إذا كان هذا الشيك شخصيًّا ومن حساب مصدره، إلى جانب أنه كان يعلم أن حسابه لا يوجد به المبلغ المدون بالشيك. أما الشيكات التي تصدرها البنوك للحاصلين على قروض، فهي شيكات لم يصدرها “المتهم” لكن الذي أصدرها هو البنك ضمانًا للقرض وليس كأداة وفاء، وهناك فرق حسب معلوماتي القانونية المتواضعة بين أداة الضمان وأداة الوفاء، لكن هل يتم العمل بهذه القاعدة البديهية؟

أعتقد أن البنوك بماكينة تحصيل مديونياتها، وبآليات عملها القانوني، تدرك جيدًا كيف تعيد أموالها إليها رغم أنها عادت إذا ثبت بأن المؤسسة التي ينتمي إليها المقترض قد أفلست، وإذا تأكد يقينًا لدى الجهات ذات الصلة أن المقترض المسكين لم يكن لديه أي يد في إفلاس شركته. الحمد لله أن المصارف أدركت خطورة الوضع، وفهمت أن أي شيء لو زاد عن حده انقلب إلى ضده.

 

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية