العدد 6135
الجمعة 01 أغسطس 2025
صحافة “الكوبي بيست”
الجمعة 01 أغسطس 2025

 ربما يكون قد سبقني إلى هذه الفكرة صحافيون كُثر، وربما يكون المتضررون قد أشبعوها بحثًا وفرزًا وتمحيصًا، لكنها الفكرة التي لا تسقط بالتقادم ولا تُحال إلى التقاعد، ذلك أنها ما زالت تمثل تشويهًا متعمدًا لصناعة الكلمة، وتجبيرًا مذمومًا لأمانة المهنة، هي الأريكة الوثيرة التي يرتاح عليها أصحاب “أنصاف” المهن، وهي الفهم المنقوص لدور الإعلام في التوثيق والتدوين والتأثير، لذا واجهت صحافة “الكوبي بيست” حربًا ضروسًا من المهنيين الحقيقيين، رفضها كل من يحمل القلم المؤثر والمعلومة المحايدة والفكرة الجديرة، رفضوا أن ينتظر أشباه أو أنصاف الصحافيين بيانًا صحافيًّا ما لكي ينشروه مثلما جاءهم، ويتعاملوا معه وكأنه إعلان مدفوع الأجر، وليس كحدث ينبغي التعاطي معه باحترافية ومهنية، وبالبلاغة اللغوية التي يستحقها، هنا افتقدت صحافتنا الجمال، الإبداع، القدرة على التأثير، والاستقلال عن مُرسل أو مصدر الخبر.

وللأسف الشديد هناك من أنصاف أصحاب المهنة الذين يضعون أسماءهم بلا أي خجل على هذا النوع من البيانات التي تصل إلى الصحف، بل وجميع الصحافيين من دون تفرقة أو تحيز أو استثناء. صحافيو “الكوبي بيست” أهانوا المهنة، أفقدوها القدرة على التميز، على التفرد، على الاستقلالية، وعلى الجهد الإنساني المطلوب لإعطاء كل ذي حقٍ حقه. وللأسف الأشد، نجد أن هذه الفئة من أصحاب الأيادي المرتعشة ساهموا في دفن صحف إقليمية بعد استسلامها للبيانات والإعلانات التحريرية، ليحجموها ويصعدوا بها إلى “مانشيتات” الصحف وكأنها حدث لم يحدث. 

منذ قديم الأزل تعلمنا أن الخبر المهم لكي يصبح مهمًّا لابد أن يكون متعوبًا عليه، منسوجًا بقوة الأيادي الحريرية وصرامة الروح الإنسانية الناعمة، لابد أن يضيف شيئًا جديدًا لم يكن في متناول الآخرين، وحدثًا ملفتًا لم يلتفت له أصحاب أنصاف المهن وأشباه الصحافيين، علمونا في المهد أن الخبر الصحيح ليس فقط هو الذي يحمل إجابات على ما كنا نطلق عليه “الفايف دبليوز” – ماذا ومن ولماذا وأين ومتى – وإلى متى.. وإلى الأبد.. إلى الأبد، هي وغيرها كلمات تأتي في سياقات مختلفة، ونتاج جهود شديدة الذاتية والخصوصية ولا ترتبط إلا بصانعها وجالبها، والمهيمن عليها والقاطع أشواطًا بعيدة في فن تقديم الأهم فالمهم فالأقل أهمية.

معذرة عزيزي القارئ، لأنني عدت بك إلى سنة أولى صحافة، عندما كانوا يعلموننا أن المهد المهني لابد أن يبدأ من السؤال الوجيه الذي يفرض نفسه على المبتدئين حتى يتعلموا، والمهنيين حتى يجيدوا، والمبدعين لكي يزدادوا تألقًا وإبداعًا.

صحافة “الكوبي بيست” التي انتشرت في الآونة الأخيرة لتعكس عجزًا واضحًا في كوادر إعلامية مهنية، لابد أن تختفي تمامًا من صحافتنا المأسوف عليها، ومن إعلامنا المكرر نفسه. الإعلام هو فن التأثير في الآخر، والصحافة هي أداة الرؤية التي تتعاون فيها الكلمة مع الصورة لكي يكتمل أمام الناس مشهد الأحداث الجارية في أصدق رؤية، وأدق أداة توصيل.

إن النزاهة المهنية تفرض على كل من يدخل بلاط الصحافة بمفهومها الواسع ألا يترك الميدان للدخلاء لكي يصولوا ويجولوا ببياناتهم المكتوبة سلفًا من دون أية حرفية أو مهنية أو أية قدرة على التأثير والتوصيل والتدوين والتوثيق والإمتاع، وحماية العقل البشري من التجريف والتحريف والتشويه والفتك بالذاكرة. من هنا يمكننا أن نعود بصحافتنا المكتوبة إلى تفردها الذي كان، ومن حيث لم يكن في الإمكان أسوأ مما كان إلى أفضل مما كان.

*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية