في حياة الأمم، لحظات فارقة يلتفت فيها الحاضر إلى الماضي، لا لينقضه أو يزيفه، بل ليعيد النظر بعين التقدير والإنصاف. هكذا يمكن وصف التوجه الملكي الكريم بأن يُعتبر تاريخ تأسيس غرفة تجارة وصناعة البحرين هو 26 ديسمبر 1910، تاريخ انعقاد أول اجتماع موثق للتجار البحرينيين، بدلًا من التاريخ المتداول سابقًا في المصادر الرسمية وشبه الرسمية، وهو 26 يوليو 1939.
هذا التوجيه التاريخي يحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد تحديد تاريخ ميلاد مؤسسة اقتصادية، ليصل إلى جوهر العلاقة بين كتابة التاريخ وتصحيح الوعي الجماعي. فما بين هذين التاريخين، 1910 و1939، امتدت ثلاثة عقود شهدت تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، كانت التجارة أحد محاورها الرئيسة، وغالبًا ما طغت التطورات الإدارية اللاحقة على الذاكرة، لتغدو البداية الحقيقية غائبة في الظل، رغم كونها لحظة التأسيس الروحي للفكرة.
جذور الفكرة قبل القانون
حين نعود إلى 26 ديسمبر 1910، نجد أن هذا الاجتماع لم يكن فعالية عابرة ولا مناسبة بروتوكولية. لقد كان محاولة جادة من تجار البحرين الأوائل لتنظيم شؤونهم، وصون مصالحهم، وإيجاد منبر جماعي يتشاورون فيه بشأن التحديات والفرص. كانت تلك خطوة غير مسبوقة في منطقة الخليج العربي في ذلك الوقت، حيث لم تكن فكرة إنشاء مجلس للتجار قد استقرت في الممارسة المؤسسية بعد.
ورغم أن هذا المؤتمر لم يخرج حينها بنظام رسمي مكتوب يقرّه الحاكم، إلا أنه ترك أثرًا في الوعي التجاري البحريني، ورسخ إيمان التجار بقيمة العمل المنظم.
هكذا يمكن القول إن عام 1910 كان بمثابة تاريخ التأسيس المعنوي لفكرة الغرفة التجارية، بينما مثل عام 1939 بداية الإطار القانوني والتنظيمي الذي صار بموجبه للتجار جمعية محددة الهيكلية، ورسوم عضوية، ولجان عمل.
لماذا تغيب البداية أحيانًا؟
قد يتساءل البعض: كيف غابت هذه البداية عن الرواية الرسمية لعقود طويلة؟
هنا ينبغي ألا نغفل السياق التاريخي الدقيق.
فعلى مدى الثلاثينيات، كانت البحرين تخوض تجارب متعددة في تنظيم المجال التجاري، ما بين المجلس العرفي الذي تأسس في عشرينيات القرن الماضي ليكون بمثابة محكمة عرفية للقضايا التجارية، ومجلس التجارة، ومجلس الغوص المتخصص بتسوية نزاعات اللؤلؤ. كلها كيانات ظهرت بأدوار جزئية، ثم خبت أو تبدلت وظائفها، بينما بقي حلم الغرفة التجارية بالمعنى الحديث مؤجلًا لظروف سياسية معقدة، منها علاقة بريطانيا بالإدارة المحلية، والتنافس بين التجار على الزعامة، والصراعات التي شهدتها العشرينيات (مثل أحداث 1923 بين النجديين والعجم).
وفي تلك البيئة، كان تأسيس كيان جامع ومستقر للتجار أشبه بمهمة عسيرة، لا تكتمل إلا في اللحظة المناسبة. وحين عقد اجتماع 26 يوليو 1939 الذي تم توثيقه من خلال نصوص اللوائح التنظيمية، بدا أنه أول ميلاد رسمي معترف به، فسهل على الجميع اعتباره البداية “الرسمية”.
لكن التاريخ لا يقتصر على الأوراق المختومة والأختام الحكومية، بل يشمل أيضًا المبادرات التي سبقتها. إن أول اجتماع في 1910 كان إعلانًا ضمنيًّا عن نضج الوعي التجاري البحريني واستعداده لامتلاك صوته المستقل، وهو ما يجعل تجاهله انتقاصًا من جدية تلك اللحظة.
إعادة كتابة التاريخ أم تصحيح مساره؟
قد يذهب بعض المراقبين إلى وصف هذا التوجه الملكي بأنه إعادة كتابة التاريخ. غير أن التدقيق الموضوعي يوضح أن المسألة ليست استبدالًا لوقائع مثبتة بأخرى منقطعة الصلة، بل تصحيح لمسار السرد التاريخي الذي اختصر القصة في لحظة واحدة وأهمل سياقها التراكمي.
التاريخ، كما يكتبه الباحثون، ليس تقريرًا من صفحة واحدة. بل هو سلسلة حلقات متصلة، بعضها قانوني وبعضها معنوي. حين يقرر المجتمع أو الدولة الاعتراف بتلك الحلقات المبكرة، فإنه لا يزوّر الماضي، بل يعيد ترتيبه ليعكس الجوهر الحقيقي للتجربة.
إن اعتبار 26 ديسمبر 1910 تاريخ تأسيس الغرفة يعيد الاعتبار لجيل من التجار الأوائل الذين بادروا واجتمعوا ونسقوا في وقت لم يكن العمل التجاري المنظم رائجًا ولا مدعومًا رسميًّا. وهم رجال كانت رؤيتهم أسبق من عصرهم، فلم يجدوا حينها بنية مؤسسية تحتضن تطلعاتهم، لكنها ظلت كامنة حتى وجدت فرصتها في 1939 لتخرج في صيغة رسمية.
ما الذي تغير عندما نغيّر التاريخ الرسمي؟
يتصور البعض أن الاعتراف بتاريخ 1910 مجرد تعديل رمزي. لكنه في الحقيقة ينعكس على هوية الغرفة نفسها، وعلى كيفية فهمنا لدورها ومكانتها في تاريخ البحرين.
أولًا: يعيد تأكيد أن البحرين لم تكن تنتظر من جهات أجنبية لتعليمها التنظيم التجاري، بل كانت مبادِرة في استحداث آليات التشاور والعمل الجماعي.
ثانيًا: يوسّع ذاكرة المؤسسة نفسها، لتصير أقدم غرفة تجارة في المنطقة من حيث النشأة الفكرية.
ثالثًا: يمنح الجيل المؤسس حقه التاريخي في التقدير، ويؤصل الروح البحرينية التي عُرفت بالتجارة منذ أقدم العصور.
بين الرمزية والواقعية
ما قام به جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله هو تأصيل للهوية التاريخية للمؤسسة الأعرق في القطاع الخاص البحريني، وإيصال رسالة للأجيال الجديدة بأن المؤسسات الوطنية ليست اختراعات طارئة، بل امتداد لجهد طويل.
في المحصلة، هذا التوجه ليس إعادة كتابة للتاريخ من باب الانتصار لرواية ما، بل هو تصحيح لمسار طويل من التبسيط والاختزال، وإعادة وصل السردية المعاصرة بجذورها الحقيقية.
وبهذا القرار، لا يصبح تأسيس الغرفة مجرد اجتماع في 1939، بل قصة ممتدة بدأت مع أول اجتماع للتجار عام 1910، وتطورت مع تجارب المجالس العرفية والتجارية، حتى نضجت إلى كيان قانوني. هكذا فقط تكتمل الصورة وتصبح الذاكرة الوطنية أصدق وأدق.
ختامًا، إنصاف التاريخ ليس ترفًا ولا تزييفًا. إنه حق مشروع لكل أمة تسعى أن تحفظ ذاكرة من بنوا نهضتها. واليوم، حين نتحدث عن غرفة تجارة وصناعة البحرين، فإننا لا نكتفي بالإشارة إلى أوراق 1939، بل نقرأ الفصل الأول من القصة في عام 1910، يوم اجتمع الرواد الأوائل ليخطوا أول سطر في تاريخ العمل التجاري المؤسسي في بلادنا.