لا أحد كان ينتظر أن يغادر النجم البرتغالي ديوغو جوتا الحياة بهذه السرعة، ولا بهذه الطريقة المؤلمة. حادث سير مروّع خطف روحه وروح شقيقه في لحظة واحدة، ليترك خلفه حزنًا يعمّ الملاعب وأوساط كرة القدم، بل والقلوب التي أحبّته كلاعب وإنسان، قال تعالى “وما تدري نفس بأي أرض تموت”.
لكن ما فعلته إدارة نادي ليفربول الإنجليزي بعد هذه الفاجعة، لا يستحق أن يُكتب عنه فحسب، بل أن ترفع له القبعة عاليًا، لا من باب الرياضة فقط، ولكن من باب القيم والإنسانية والوفاء. ففي زمن تحكمه لغة الأرقام والاحتراف، فاجأتنا إدارة النادي بقرار لا يقل إنسانية عن عمق الجرح: “صرف راتب جوتا الشهري كاملا، والذي يبلغ 700 ألف جنيه إسترليني ومكافآته الأخرى لعائلته، حتى نهاية عقده الذي ينتهي بعد عامين! وكأنها تقول “غاب اللاعب، لكننا لن ننسى الإنسان”. ذلك القرار الذي لم يكن ملزمًا قانونيًّا، هو ترجمة حقيقية لروح القانون، تلك الروح التي تتجاوز النصوص الجافة، وتنتصر لما هو أعمق: الوفاء، والتقدير، والإنصاف وغيرها من الصفات الإنسانية الراقية والرائعة، وكأن إدارة النادي تريد أن توجه رسالة بأن “الدين معاملة”.
فكم من مؤسسات رياضية أو غير رياضية تكتفي بورقة نعي، أو دقيقة صمت، أو حتى رسالة تعزية، وكم من جهات تنفض يدها بمجرد أن يسقط من يحمل القميص أو الاسم. أما هنا، فقد رأينا ناديًا استثنائيًّا يرفض أن يُغلق الصفحة، ويُصرّ على أن يُكمل القصة مع أسرة لاعبه الراحل، من موقع الالتزام الأخلاقي، لا الالتزام المالي فقط ما فعله نادي ليفربول درس بليغ في الوفاء المؤسسي، ليكون مثالا يحتذى، فهو تأكيد أن العلاقات بين الإنسان والمؤسسة لا يجب أن تكون قائمة فقط على الأداء والأرباح، بل على الاعتراف بالجميل، وحفظ المودة، والوقوف بجانب الأسرة في اللحظة التي تخذلهم فيها الحياة.
لقد خسر النادي لاعبًا موهوبًا، لكنّه كسب احترام وتقدير العالم، حين قرر أن يكون وفيًّا حتى مع من غاب، وهذا هو المعنى الأسمى للإنسانية.
ولأن الوفاء لا يُورَّث، بل يُكتسب بالتربية والممارسة، فإن ما فعله نادي ليفربول دعوة مفتوحة لكل مؤسسة، ولكل شاب وشابة، بأن يكونوا أوفياء في تعاملهم، نبلاء في مواقفهم، صادقين في التزاماتهم.
فما يبقى من الإنسان في النهاية، ليس ما حققه لنفسه، بل ما تركه في قلوب الآخرين من أثر جميل، وذكرى لا تُنسى.
شخصيًّا أعتبر قرار إدارة نادي ليفربول درسًا ولا أروع، بل فلسفة رائعة في فنّ الإدارة، ويجب أن تدرس في المدارس والجامعات والمنتديات والدورات التدريبية في فنون الإدارة والقيادة. فمن وجهة نظري المتواضعة هذا القرار المقدر وغير المسبوق له انعكاسات إيجابية كثيرة ليس على اللاعبين فحسب، بل على الجهاز التدريبي والإداري وحتى الجماهير، لأنه كسب ولاءهم وانتماءهم وعشقهم لهذا النادي العريق بسبب هذا الموقف الإنساني الرائع.
إن تطبيق مثل هذه القرارات والمبادرات في المؤسسات تجاه موظفيها يخلق بيئة عمل جاذبة لهم ولعائلاتهم، حيث يشعرون بالأمان والفخر والاعتزاز، وفي المقابل ستزيد الإنتاجية والكفاءة التشغيلية وفي النهاية حتماً ستزيد الربحية.
ومن المؤسف أن نجد كثيرًا من المؤسسات تبخل على موظفيها في الكثير من الأمور الصغيرة التي لا تؤثر على ميزانياتها. والحديث عن هذا الموضوع يطول شرحه، لكنني وجدتها مناسبة جيدة لذكره في نفس المقال لأنني تطرقت إلى فن الإدارة والقيادة لنادي ليفربول وهو نفسه ما ينطبق على مواقع العمل المختلفة وبأساليب أخرى.
كاتب وإعلامي بحريني