العدد 6114
الجمعة 11 يوليو 2025
عين عذاري.. ما بين النسيان والتجاهل
الجمعة 11 يوليو 2025

 في العام المنصرم، وبالتحديد بتاريخ 21 أغسطس 2024، نشرت مقالًا كان عنوانه “عذاري وين الماي.. وينه؟”، وها أنا اليوم أعيد كتابة مقال عن نفس الموضوع، مسترشدًا بقوله تعالى: “وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”.
في قلب البحرين، حيث تختلط الطبيعة بالتاريخ، وتقف الذاكرة الشعبية شاهدًا على أيام الطفولة والصفاء، تقبع “عين عذاري” مغلقة، ساكنة، كأنها فقدت صوت الضحكات التي كانت تملأ أرجاءها، وأصوات الأطفال وهي تتقافز في مياهها الباردة، وكأن الزمن توقف فيها عن عمد. ومن لا يعرف “عين عذاري”، فهي ليست مجرد ينبوع ماء؛ بل هي من أبرز معالم البحرين الطبيعية والتراثية، ومتنفس اجتماعي لطالما احتضن العائلات البحرينية على مدى عقود. جيلٌ بعد جيل تربى على الذهاب إليها في عطلات نهاية الأسبوع، وجعل منها وجهة لا تُملّ، فيها ما يكفي من بساطة لتكون شعبية، وما يكفي من سحر لتبقى في الذاكرة.
ولمن لا يعرف أيضًا، فقد خضعت العين في عام 2006 لعملية تطوير وتحويل إلى مشروع ترفيهي حديث، يضم برك سباحة، ومساحات للجلوس، وخدمات متكاملة. وجاءت تلك الخطوة آنذاك كمبادرة طموحة لإعادة الحياة إلى هذا المكان العزيز على قلوب الناس. لكن ما حدث بعد ذلك يبعث على الأسى. فقد جاءت جائحة كورونا في عام 2020، فأُغلقت العين، كما أُغلقت كل المرافق العامة، وكان ذلك متوقعًا ومبررًا حينها، لكن الجائحة انقضت، وعادت الحياة إلى طبيعتها في كل مكان، إلا “عين عذاري” التي بقيت في طي النسيان.
 والمثير للدهشة - أو لربما المضحك المبكي - أن العين أعيد افتتاحها بعد الجائحة لفترة وجيزة، ثم أُغلقت مجددًا، هذه المرة ليس بسبب مرض أو كارثة طبيعية، بل بسبب عدم وجود مستثمر! هكذا، ببساطة، توقف النبع عن استقبال الناس لأن الوزارة لم تجد من يديره. 

 هل وصلنا إلى هذه المرحلة فعلًا؟ أن يصبح فتح عين ماء تاريخية رهنًا بوجود مستثمر؟ ألا توجد في وزارة شؤون البلديات والزراعة طاقة أو إرادة أو ميزانية كافية لإعادة تشغيل مشروع موجود أصلًا؟ هل أصبحت المتنفسات العامة عبئًا؟ أم أننا أصبحنا نحمّل “القطاع الخاص” مسؤولية فتح أبواب الحدائق والعيون للناس؟ فالمشروع ليس مشروعًا تجاريًّا مربحًا، ومن الطبيعي ألا تجد الوزارة مستثمرًا لأنه بكل بساطة لا يكون له عائد استثماري إيجابي (ROI)!
 دعوني أقولها بصراحة: هذا غير مقبول، لا من الناحية الإدارية، ولا من حيث المبدأ. فالوزارة المعنية، في النهاية، هي الجهة الأولى المسؤولة عن تطوير المرافق العامة وتشغيلها. وإذا كانت عين عذاري بكل رمزيتها وجمالها لا تجد من يهتم بها، فماذا عن بقية المواقع؟ وما هي الأولويات إذا؟
 إن أسوأ ما في هذا الموضوع ليس الإغلاق فحسب، بل التبرير! أن يُقال إن العين مغلقة لعدم وجود مستثمر، فذلك إقرار ضمني بأن رفاه الناس في أماكن عامة نظيفة وآمنة وجميلة، أصبح مرهونًا بالربح والخسارة. وكأن لسان الحال يقول: “لا فائدة مادية منها، فلتُغلق!”.
ما يجب أن نعيد التذكير به هو أن المساحات العامة ليست من الكماليات، بل هي ضرورة. هي جزء من الصحة النفسية للمجتمع، من جودة الحياة. ليس كل الناس يملكون الإمكانيات للسفر في الإجازات، أو الانضمام إلى النوادي الخاصة. ولكن الجميع يستطيع الذهاب إلى عين عذاري والشواطئ العامة كما كانت، دون تذاكر باهظة أو بطاقات عضوية.
إعادة تشغيل عين عذاري ليست معجزة، بل قرار بسيط يحمل رمزية كبيرة، ولا يمكن أن يبرر بعدم وجود ميزانية، فأنا لا أكتب من باب الحنين فحسب، بل من باب الغصّة. أن ترى مكانًا جميلًا، قريبًا من القلب والناس، يتآكل في صمت، وتُغلق أبوابه في وجه الزوار، وكأنه عبء، أو صدفة لا يرغب أحد في تذكّرها.
رسالتي للمسؤولين في وزارة شؤون البلديات والزراعة، وللجهات المعنية بالتخطيط والخدمات: أعيدوا عين عذاري لأهلها. لا تتركوها تنتظر “مستثمرًا” يأتي أو لا يأتي. افتحوها، حتى لو ببساطة، ودون بهرجة، فهي ليست بحاجة إلى ميزانية ضخمة، بقدر ما هي بحاجة إلى قليل من الاهتمام والحرص. والله المستعان.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية