نشرت أستاذة الإعلام الدكتورة إيناس محمد سرج مؤخرًا مقالًا حول الذكاء الاصطناعي في مواجهة الذكاء الطبيعي، حول ذلك الخلط الفج بين لوحة يرسمها فنان، وأخرى يبدع في إتقانها روبوت، وحول كلمة خرجت من قلب أديب مبدع وحروف قام بصفها ما يطلق عليه الـ “شات جي بي تي”. الدكتورة إيناس تلقي حجرًا غليظًا في بحيرة أصبحت مهجورة إلا من دهشة الجائعين، وهلوسات المقامرين بالمعرفة، المياه الراكدة تحركت ولم تجد برًّا نظيفًا يرعى المبدعين، أو ساترًا عفيفًا يعيد إليهم حقوقهم الفكرية والإنسانية المنهوبة. الناس مشغولون بهواتفهم الذكية، سباق محموم يبحث بأصابع الجاهلية الجديدة عن “ترند”، عن مورد رزق، عن عائد ثابت من الفضاء بعد أن ضاقت الحياة بالكثيرين على الأرض.
الذكاء الاصطناعي لم يأت إلا لخدمة البشر، لكي يكون عونًا لهم وليس فرعونًا عليهم، الكارثة في أن البعض انصاع له لـ “يعبده”، ليسلمه مفاتيح كل شيء، التفكير والتدبير والتسخير للمخلوقات، لم يستطع هؤلاء ترويض القضية، وتركوها كي تروضهم. مقال الدكتورة إيناس يحتاج لمقالات ودراسات وبحوث تؤيده، تباركه، تمشي على خُطاه، القضية عويصة يا دكتورة وخطيرة ولا يمكن المرور عليها مرور الكرام بالانتقاد تارة، وبالفزع الرهيب تارة أخرى، بالترهيب مرة وبالترغيب ملايين المرات.
الذكاء الاصطناعي مكياج الأمم الجاهلة وتلك المحدثة المتشدقة بالمعرفة ومجاراة تكنولوجيا العصر، عيب أو عار أو جهل ألا تفهم عزيزي المتفاخر بالذكاء الاصطناعي، فضيحة ثقافية وتعليمية لو لم تدرك الذكاء الاصطناعي قبل أن يدركك أن تكتبه قبل أن يكتبك، وأن تروضه قبل أن يتحكم فيك ويسيطر عليك ويروضك، كارثة يا صديقي لو لم تلحق به كي تستنسخ منه الـ “شات جي بي تي”، ولكي تستنسخ من الأخير شعرًا مزيفًا، أو رواية مسروقة، أو لغة منقولة من مبدع مجهول.
كارثة لو اعتقدنا بأن ما يأتي به الـ “شات جي بي تي” ملك لنا بضغطة زر، كارثة لو اعتمد طلابنا عليه كدليل على معلومة مفقودة ثم يهيأ لهم أنهم أصحاب الفكرة والمحتوى، وليس ذلك القادم المتصنع والمصنوع من المجهول. كارثة إنسانية لو كانت مصادر معلوماتنا معتمدة على المُخزن من أحداث وليس على متابعة حدث الساعة في التو واللحظة، الـ “شات” ينقلك إلى عالم مضى، والصحافة الاحترافية والإعلام الفضائي لا الرقمي يأخذك إلى مواقع الأحداث كي تتعرف على مختلف أشكال الحياة بحلوها ومرها، بحربها وسلامها، على الهواء مباشرة وليس من كهوف الشبكات الجهنمية للذكاء الاصطناعي وتوابعه.
الكارثة أننا نُعَلِّم طلابنا في الجامعات كيفية التعامل مع الإعلام الرقمي قبل أن يتعلموا أبجديات الإعلام، وخصائصه القاطعة، الكارثة يا أصدقائي أن البعض من الجاهلين يتفاخرون بتقديس الإعلام الرقمي المعلب، وذلك المعتق بالمعلومات المتكررة والبديهيات التي عفا عليها الزمن، والأساسيات التي لا تفقه شيئًا في أصول نقل المعلومة الجديدة، وتلك التي أكل عليها الدهر وشرب. الإعلام الرقمي يجب أن يكون إعلامًا قبل أن يكون رقميًّا، والحدث الافتراضي لابد أن نقتنع بأنه حدث لم يحدث، وواقع لم يتحقق على الأرض بقدر تحققه في الخيال.
الكارثة أننا صدقنا أنفسنا عندما فهمنا أن في الحياة الإلكترونية حياة لمن لا حياة له، ومن لا حياء عنده.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية