ليلة لا تُنسى تلك التي هجمت فيها الصواريخ الإيرانية على قاعدة العديد القطرية، في تمام الساعة الثامنة مساءً، كانت عقارب الساعة تقترب من هذا التوقيت التاريخي، وكانت الأجواء كلها في البحرين الحبيبة مهيأة لاستقبال مفاجآت، إعلان قطري بغلق المجال الجوي، ثم الإماراتي، ثم البحريني والكويتي، ثم صفارات الإنذار في سماء البحرين.
الناس توقعوا هجومًا صاروخيًّا على البحرين، هاتفي لم تتركه الاتصالات في حاله، وكالعادة كنت في مكتب الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية البروفيسور عبدالله الحواج نتبادل أطراف الحديث حول شؤون وشجون الجامعة، ثم ما تيسر من قراءات ومناقشات حول أحداث الساعة الراهنة. هاتفي لم تصمت رناته، واصل الصياح بل والصراخ، استأذنت البروفيسور وقمت بالرد على رقم متكرر من القاهرة، فإذا بقناة الحدث الفضائية ومدير أحد البرامج الإخبارية المهمة يسعى لإجراء حوار سريع معي عن الموقف العسكري الراهن في البحرين. ولمحاسن الصدف، كان الزميل الذي على الهواء مباشرة هو الصحافي المخضرم سيد علي الذي سبق وأن عمل معنا في الصحافة البحرينية خلال ثمانينيات القرن الماضي. وجدت الزميل متلهفًا لسماع تعليقي حول ما أراه على الأرض، وإذا ما كانت مملكة البحرين قد تعرضت لضربة مماثلة للتي تعرضت لها قطر الشقيقة في تلك الأثناء أم لا. كانت الأجواء في المملكة لا تنبئ بأن خطرًا محدقًا يقترب من ربوع الجزيرة الوادعة، حركة الناس، برامج التلفزيون، نشرات الأخبار، “السوشال ميديا”، كل شيء تقريبًا لا يشير إلى أن هجومًا صاروخيًّا إيرانيًّا يستهدف مملكتنا الحبيبة مثل ذلك الذي سقط من دون خسائر والحمد لله على قطر حمانا وحماها الله.
فما كان مني إلا التحدث بصراحة مع الزميل سيد علي: “لا يا سيدي، لا توجد أية بيانات رسمية تشير إلى أي هجوم إيراني على البحرين، تمامًا مثلما هي الأجواء أمامي، لا صواريخ في السماء ولا مسيرات في المحيط الذي كنت متواجدًا به، ولا حالة هلع مترافقة مع ضربات أو أصوات انفجارات من هذا القبيل”.
قلت للزميل ما كنت أراه، ونقلت إليه المشهد بمنتهى الدقة، والحالة التي كنا عليها في تلك الأثناء، انصرف الزميل وانصرفت، ولكن صفارات الإنذار في سماوات المنامة لم تكف عن إطلاق تحذيراتها، هو ما كان يعني أن خطرًا قادمًا يقترب، وأنه يجب علينا جميعًا أخذ الحيطة والحذر، رغم ذلك انتابتني حالة من الترقب.
مر الوقت سريعًا، فإذا بصفارات الإنذار تنطلق من بعيد مشيرة إلى زوال الخطر. بدأت في التحرك، أنا والرئيس المؤسس للجامعة الأهلية ومعنا الزميل حسين حبيب مدير العلاقات المهنية، متوجهين إلى بيوتنا مثلما هي العادة مساء كل يوم. بعد حالة صمت انتابتنا جميعًا، ألقينا السلام على بعضنا البعض، وتفرقنا لعلنا نعود في صبيحة اليوم التالي إلى مكاتبنا كالعادة، رغم أن الدراسة كانت معلقة حضوريًّا وتتم فقط عن بُعد عبر “التيمز”.
استهلكت بعض الدقائق وأنا أقود سيارتي وسط هذه الأجواء، ولا يوجد لدي خبر رسمي يؤكد أو ينفي صحة الأخبار التي تم تداولها حول احتمال تعرضنا لخطر صاروخي محتمل، مثلما حدث مع قاعدة العديد القطرية. مرت الدقائق وأنا أبحث في المحطات الإذاعية داخل السيارة ربما أعثر عن أية معلومات نافية أو مؤكدة، فإذا بالأخبار كلها تأتي مطمئنة بأن البحرين آمنة.. آمنة، ولم تتعرض مطلقًا لأي هجوم صاروخي والعياذ بالله.
عدت إلى منزلي بعد رحلة طويلة استغرقت الساعة تقريبًا، وأنا أقوم بعملية مرور يومية على “السوبرماركت” للتسوق، وكأن شيئًا لم يكن.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية