الكاكول والحيج وجوزة البوه والجعدة..
حواويج البحرين واجهوا الأمراض الفتاكة منذ القدم
ما إن تمر أمام دكاكين العطارين، أو كما يُعرفون محليًا بـ “الحواويج”، في سوق المنامة، حتى تغمرك روائح ذكية تنبعث من الأعشاب والتوابل والخلطات، وتتسلل من أنفك لتوقظ خلايا الذاكرة، وتعيدك إلى زمن الطيبين. هناك، حيث كان وجع البطن يُعالج بالمرقدوش، وضيق التنفس تُخفف وطأته بالجعدة أو النقظة (نبتتان عشبيتان شهيرتان في الخليج العربي).. تلك هي صيدليات الزمن القديم، الموروثة جيلًا بعد جيل، والتي شكلت جزءًا من هوية البحرين الصحية الشعبية.
رجال ونساء.. بصمة في ذاكرة المهنة
منذ قرون، تألقت أسماء بحرينية في ميدان العطارة، وفي إصدار “نادي الخمسين” تم تخصيص باب “ريترو البلاد” لتقارير وثائقية عن بعض المهن ومنها مهنة “الحواج”، إذ اشتهرت بعض الأسماء منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر، مثل المرحومين ظاعن الظاعن وابنه عبدالله، ومحمد بن فضل النعيمي، والحاج علي بن الشيخ حسن المسقطي، والحاج جمعة الكنكوني، والحاج أحمد الكنكوني، والحاج عبدالله بن سعيد، والحاج حميد كازروني، والحاج إبراهيم بن عباس الخزاعي، والحاج محمد خلف.

ومن النساء، اشتهرت المرحومة ظبية البوفلاسة، إلى جانب نساء عرفن بأسماء مناطقهن مثل “البلادية”، “الستراوية”، “غذبة”، “المناعية”، و “جميعة”.. هؤلاء وإن رحلوا، رحمهم الله، فإن أبناءهم وأحفادهم ما يزالون يحملون مشعل المهنة، يزاوجون بين الخبرة المتوارثة والدراسة الأكاديمية، في مسيرة امتدت لما بين 150 إلى 200 عام.
صيادلة الزمن الجميل
في الماضي، لم يكن الحواج مجرد بائع أعشاب، بل كان طبيبًا شعبيًا متنقلًا، يزور البيوت في القرى والمدن، يشخص الحالات، ويوصي بالعلاج المناسب من الأعشاب، مقابل مبلغ زهيد، وقد وثّق الباحث في التراث فؤاد الشكر هذه المهنة، مشيرًا إلى أعلامها مثل الحاج عباس بن حمزة الحواج، الحاج أحمد الكنكوني، والمرحوم علي بن الشيخ حسن المسقطي، الذي كان ذا علم واسع بالطب الشعبي واكتسب معارفه من الترحال والخبرة، وكان من البارعين كذلك المرحومون الحاج يوسف الحمد، الحاج علي الكنكوني، علي بن علي الحواج، وحجي عبدالله المخلوق.
زمن الطاعون والكوليرا
لم تقتصر مهنة الحواج على بيع الأعشاب، بل شملت تحضير وصفات طبيعية لعلاج أمراض منتشرة مثل “أبو صفار” (اليرقان) باستخدام القلمان والكاكول، ومعالجة الملاريا بالجعدة، التي تُستخدم كذلك لحصى المرارة، والنقظة (المعروفة بشوك الحنش). ويروي كبار السن كيف لجأ الناس إلى “الحواويج” أثناء تفشي أمراض فتاكة مثل الطاعون والكوليرا والجدري بين العامين 1903 و1910، في وقت عجز فيه الجميع عن وقف زحف هذه الأوبئة، التي أودت بحياة عائلات بأكملها.

جذور العلاج في تراب الأرض
كما يقول المثل الشعبي “تلقى الدواء في أخس الشجر”، فحتى اليوم، تُصنع العديد من الأدوية الحديثة من نباتات وأعشاب عرفها “الحواويج” منذ مئات السنين. الجميل أن عددًا من أبناء الجيل الجديد في العائلات العريقة بهذه المهنة اتجهوا إلى دراسة الطب والصيدلة، فجمعوا بين الأصالة والعلم، وواصلوا رحلة العلاج، لكن هذه المرة في مختبرات وأروقة المستشفيات.
