العدد 6087
السبت 14 يونيو 2025
من ماليزيا يستأنف الخليج تموضعه في “آسيان”
السبت 14 يونيو 2025

حين تفتح الخرائط مسالكها من مضيق ملاكا إلى ضفاف الخليج العربي، لا يكون الحبر الذي يُوقّع به اتفاقًا تجاريًا مجرّد حبرٍ إداري، بل توقيعًا على تحوّلٍ استراتيجي في ملامح الاقتصاد الإقليمي. هذا ما تجلّى في كوالالمبور، حين شهد رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، وسمو ولي العهد الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، بصفته رئيس الدورة الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، انطلاق مفاوضات رسمية نحو اتفاقية تجارة حرة بين ماليزيا ودول الخليج، على هامش قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” ومجلس التعاون، والقمة الثلاثية مع الصين، في مايو الماضي.
وتُعدّ هذه الخطوة تتويجًا لمسارٍ اقتصاديٍّ متصاعد، يتجاوز التبادلَ التقليدي نحو شراكاتٍ إنتاجيةٍ أكثر تخصصًا؛ ما يعكس تحوّلًا حقيقيًا في التفكير الاستثماري الخليجي تجاه جنوب شرق آسيا، خاصة في ظل تزايد التنافس الأميركي - الصيني على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي في هذه المنطقة الحيوية، التي أضحت ساحة مركزية لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية العالمية.
وسبق هذه الخطوة دخول اتفاقية تجارة حرة مع سنغافورة حيز التنفيذ في 2013، إلى جانب ترتيبات مماثلة جارية مع إندونيسيا. وتُجسّد هذه الاتفاقات الثنائية نهجًا خليجيًا واقعيًا في التعامل مع تعقيدات “آسيان”، حيث تُعتمد كأدوات تأسيسية لتكامل تدريجي، يُبقي الخليج بمنأى عن الارتهان لأي محور عالمي.
في هذا السياق، تُعد الاتفاقية بين كتلتي مجلس التعاون و “آسيان” بشأن التجارة الحرة مطمحًا استراتيجيًا لا يزال في مراحله التمهيدية. وأوضح الدكتور عبدالعزيز العويشق، الأمين العام المساعد لشؤون المفاوضات، أن ما تم هو الاتفاق على إجراء دراسة جدوى فقط، مشيرًا إلى أن غياب موقف موحد داخل “آسيان” بشأن التعرفة الجمركية يمثل عائقًا جوهريًا أمام تقدم هذا المسار. وتعكس هذه التصريحات واقعًا تفاوضيًا معقدًا، دفع دول الخليج إلى تفضيل مسارات ثنائية أكثر مرونة، كما هو الحال مع سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا. وهي مسارات لا تلغي الاتفاقية الطموحة بين الكتلتين، بل تُمهّد لها، وتُعزز قدرة الخليج على التكيّف مع المصالح الآسيوية المتشابكة.
في المقابل، تُظهر تجربة اتفاقية التجارة الحرة بين “آسيان” والصين، أن التفاهم بين التكتلات ليس بعيد المنال؛ فقد بلغ حجم التبادل 982.3 مليار دولار في 2024، وتم توسيع وتحديث الاتفاقية لتشمل الاقتصاد الرقمي والأخضر وسلاسل الإمداد. هذا النموذج يُبرز الفارق في الإرادة والجهوزية المؤسسية، ويدعو دول الخليج إلى مواصلة بناء التراكم عبر قنوات ثنائية. 
من ماليزيا، يستأنف الخليج تموضعه في “آسيان” بخطى مدروسة لا اندفاعات مرتجلة. وبينما تراوح اتفاقية التجارة الحرة بين الكتلتين مكانها، تمضي الشراكات الثنائية المتدرجة مع الدول قُدُمًا، كجسور استراتيجية تُمهّد لتوازنات جديدة في الجنوب العالمي. فلا يطلّ الخليج كمستوردٍ للفرص، بل كشريكٍ فاعلٍ في صياغتها.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .